لو أردت صورة تعبر عن الأردن فما هي يا ترى ؟

قبل أيام كنت على أحد (الدواوير)، كان هنالك ضابط من الجيش وآخر من الأمن العام، ومجموعة من العسكر يؤدون صلاة المغرب، والإمام كان أحد عمال النظافة.. وقد فرد الجاكيت الفسفوري الخاص بالعمل، كسجادة للصلاة.. وسمعته يقرأ الايات جهراً، والعسكر خلفه..

كان يبدو عليه التعب، وكانت ملابسه متسخة بحكم العمل.. ولكني أجزم أنه أمام ربه، أنقى وأنصع من أنفس كثيرة متسخة، بقيت أراقبهم إلى أن أنهوا الصلاة، وكل واحد عاد لموقعه إلا عامل الوطن، بقي لدقائق يسبح.. ثم غادر إليهم، وأظنهم تشاركوا في وجبة طعام معه.

عامل الوطن هو الوحيد الذي لايسأله أحد عن تصريحه، وهو الوحيد الذي يقف مع الأمن.. ويتبادل الحديث معهم، ويحترمونه ويقاسمونه وجباتهم، هو الوحيد.. الذي تمر سيارات الناس من جانبه وتسلم عليه، يفتحون النوافذ ويقولون له: (يعطيك العافية).. هو الوحيد الذي يشكل عرقه تصريحا للحياة والحب والاحترام.

حين يكون إمام سرية في الواجب عامل نظافة، فعليك أن تقف أمام الأردني مطولاً.. وتقرأ في شخصيته البساطة والزهد والاحترام، عليك أن تقف.. أمام هذه المهنة التي تغيرت في الصف الاجتماعي والنظرة، وصار صاحبها محط احترام المجتمع وتقديره.. القصة لم تعد رأفة ولا شفقة أبدا، بل هي قصة تقدير لمهنة حقيقية وخطرة.. وفيها تعب.

كنت أتمنى لو التقطت الصورة، ولكني عدلت عن الأمر.. فهؤلاء الشباب في لحظة خضوع لربهم، وفي لحظة واجب وظيفي ووطني، وارتضوا إماما لهم.. واصطفوا أمام الله بتقواهم.. لا بالرتبة العسكرية، ولا بالسلم الاجتماعي.. بل بنقاء السريرة فقط.

الأردن سينجو حتماً من هذا الوباء، ليس ببركة من أغوتهم القصور والوظيفة العامة، وجمع المال والثراء الفاحش.. بل ببركة جنود جعلوا عامل النظافة إماما لهم في الصلاة وأثناء أداء الواجب..

الوطن الذي يقدم عمال النظافة في الصفوف، هو وطن يستحق الحياة، ويستحق أن يكون طليعة العرب والإنسانية.

abdelhadi18@yahoo.com