عمان - غدير السعدي

بعد ظهور الإنترنت والانتشار الواسع لمواقع التواصل الإجتماعي، صار «التنمر الالكتروني» يشكل نوعا من أنواع الإساءة التي ظهرت وأخذت في التزايد.

ويتضمن التنمر مشاركة وتبادل المعلومات والصور الشخصية ومقاطع فيديو لشخص معنوي أو مادي أو لجهة، بصورة تجعله / تجعلها عرضة للاستخفاف أو للإهانة والإحراج.

خبراء ومختصون أجمعوا على أن مصطلح «التنمر الالكتروني» ظهر حديثاً ويعتبر واحدة من سلبيات التكنولوجيا ومواقع التواصل الإجتماعي، لما تسببه من أذى نفسي لمنطقة أو شخص أو فئة معينة من المجتمع.

التكييف القانوني للتنمر

ويقول أستاذ التشريعات الإعلامية والتطبيقات القضائية في معهد الإعلام الأردني المحامي الدكتور صخر الخصاونة أن التنمر الالكتروني هو «مصطلح جديد، لا يقابله مصطلح في القانون الأردني، ويندرج ضمن مفهوم جرائم الابتزاز، والتجريم في الذم والقدح والتشهير والإعتداء على الحياة الخاصة».

ويبيّن الخصاونة، في حديث إلى الرأي، أن التنمر يُعدُّ «حالة من الاستقواء من الفريق القوي على الفريق الضعيف، وهذه الحالات في السابق كانت موجودة في المدارس، وهي مجال للبحث عند علماء النفس والتربية». وهو لاحظ أنه، منذ ظهور شبكة الانترنت وتزايد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، انتقل هذا التنمر من الطالب الأقوى إلى الأكثر تأثيراً على مواقع التواصل الإجتماعي بهدف إقصاء شخص والتأثير عليه بشكل سلبي.

ويحذر الخصاونة من مدى خطورة خاصية تركيب الصور الحقيقية وغير الحقيقية ومقاطع الفيديو والأصوات، مما يشكل تجريما في «الذم والقدح والإعتداء على الحياة الخاصة». وأحياناً «القرصنة الالكترونية» أو (التهكير) والاقتحام غير المصرح لخصوصيات الأشخاص والهيئات أو الشركات والمؤسسات، ومن ضمنها الصور والتلاعب بها وإدخال نصوص عليها وتعليقات وإنشاء مقاطع صوتية وفيديوهات.

ويرى الخصاونة أن هذه الأفعال في ظاهرها قد تحتوي على (مزحة أو نكتة أو مماحكة) إلا أن مدلولاتها عند الأشخاص قد تأخد شكلا آخر يتسبب في إحداث إيذاء نفسي وإساءة.

وشدد على أنه في القانون الأردني «لا يوجد جريمة التنمر».. لكن الأفعال التي يقوم بها المتنمر «يعاقب عليها القانون ويجرمه.. مثل انتحال الشخصية، والاعتداء عليها».

إجراءات حمائية

الخبير في مجال شبكات التواصل الاجتماعي ثامر العوايشة يوضح أن موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» وضع أخيراً، في آخر تحديث له، إجراءات مشددة أبرزها «حالة الإبلاغ من خمسة أشخاص عن حالة تنمر ليصار إلى إيقاف حساب الشخص أو الجهة المبلّغ عنها عن النشر لمدة 30 يوما».

وينبه العوايشة إلى أن الفيسبوك أصبح يبحث عن المنشورات القديمة المشابهة أيضاً داخل الصفحة عبر برنامج ذكاء صناعي، بحيث «في حال تكرار عمليات التنمر أو نشر الكراهية وعدم استجابة الشخص للتنبيهات؛ يجري إيقاف الحساب عن النشر».

ويلفت إلى أن موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) يعتبر أن التنمر الالكتروني يندرج تحت أكثر من تعريف منها «نشر الكراهية والتعصب والتمييز الجندري والتحرش والسخرية التي تؤدي إلى إحداث إيذاء نفسي».

كما ينطبق هذا الأمر على «الصور والفيديو مثل المنشورات تماماً»، وتعتمد آلية عمل وبحث الفيسبوك على (كِي وورد) أي كلمات مفتاحية أو استدلالية تشمل جميع هذه الموضوعات.

التنمر في ظل كورونا

وترى أستاذة علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة اليرموك الدكتورة ناديا حياصات أنه في ظل الظروف الراهنة والأوقات العصيبة التي يشهدها العالم (في ظل اجتياح فيروس كورونا العالم) «تزايدت حالات التنمر الالكتروني بصورة ملحوظة».

وتشرح بالقول: «صرت تجد أن هناك ألسنة تتصاعد وأفواها تتعالى، وكتابات مشينة تتنامى، ونكاتا وفيديوهات تتهاوى فيها سب وقدح وشتم وذم واستهزاء بحريات الآخرين وتتعدى على حقوقهم تنتشر في عالم افتراضي الكتروني من خلال الفيسبوك والتويتر والبريد الالكتروني والسناب شات والتيك توك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة.

وتعتبر الحياصات أن ما يمارسه كثير من الأشخاص، دون أن يعلموا، يُعتبر تنمرا إلكترونيا.. كالتعدي والتجني والسب والشتم والسخرية عن طريق وسائل التواصل بأسلوب الدعابة والاستهزاء بالكتابة أو الصورة أو الصوت ومن خلال نشر منشورات (بوستات) مضحكة فيها تجنٍّ وانتهاك لحقوق الآخرين، واستخفاف بمشاعرهم وعقولهم من قبيل الدعابة والضحك.

آثار نفسية واجتماعية خطيرة

وتؤكد حياصات أن جميع هذه التصرفات المشينة تعكس قلة الوعي والإدراك لدى الأفراد الذين يقومون بهذه السلوكات بحجم ومدى الألم النفسي والجسمي اللذين يسببونهما لهؤلاء الأشخاص القارئين والمستهدَفين في تلك المنشورات..».

وتحذر من أن هؤلاء الأفراد المستهدَفين بهذه المنشورات قد يصبحون عرضة لأمراض «سيكوسوماتية»؛ أي أمراض «نفسية جسدية»، بحيث يؤثر شعورهم بالظلم والإحباط والقهر الداخلي على حالتهم الجسدية (الفسيولوجية) وبالتالي «يصابون بالصداع وأمراض المعدة والقولون العصبي والآلام المزمنة في المفاصل».

وتستطرد بالتوضيح أنه نتيجة نفسيتهم المحبطة وشعورهم بالألم الداخلي الذي لا يستطيعون مقاومته أو الافصاح عنه والتعبير عن إنكارهم أو رفضهم له بالقول أو بالفعل «فتتألم أنفسهم وتستنكر ذلك أجسادهم وتفصح عن ذلك بالأمراض المختلفة التي تصيبهم نتيجة حالتهم النفسية السيئة لما سمعوه أو قرأوه من نكات أو منشورات مضحكة عنهم أو عن ما يخصهم من قريب أو بعيد».

وتحذر الحياصات من مضاعفات أكبر على المستوى الأعمق من ذلك؛ فشعور الأفراد المستهدفين في هذه المنشورات المسيئة إلكترونيا «تجعلهم عرضة للاكتئاب والقلق والشعور بالضيق والدونية والعجز..».

وشعورهم هذا بالحزن والأسى الذي يخيم على أفكارهم، في تقديرها، يمكن أن «ينعكس على تصرفاتهم مع أفراد أسرهم وذويهم.. وانعزالهم عن المجتمع ورفضهم التفاعل الاجتماعي مع المحيطين بهم».

كما يمكن لانعكاسات التنمر الالكتروني أن تكون على الفرد والجماعة والمجتمع بحيث «تزرع بذور الحقد والكراهية وتنشر الفتنة بين أطياف المجتمع كافة وتجعل الإحباط والاكتئاب يأسران عقول المتنمَّر عليهم ويسيطران على سلوكهم ليصير الانتقام مصدرا لسلوكهم والشعور بالقهر وقلة الحيلة مُرافقَ دربهم ويجعل العزلة الاجتماعية وقلة التفاعل الاجتماعي سلوكا لهم ليتجنبوا التبرير واللوم من الآخرين».

وتؤكد أنه لا بد هنا أن «نقف قليلا ونؤكد أنّ ما يقوم به هؤلاء الأفراد من التنمر الالكتروني تجاه الفرد أو الجماعة أو المجتمع، أكان بقصد التسلي أو الدعابة أو الضحك والمرح، هو تجنٍّ وانتهاك لحقوق وحريات الآخرين».

ولعل الجهل وقلة الوعي بآثار مثل هذه التصرفات يجعلانهم يتمادون في نشر النكت والصور والفيديوهات الابتزازية التي تجعل منهم في نهاية المطاف مسيئين لغيرهم ولمجتمعهم الذي يعيشون فيه متناسين أننا في مجتمع عربي إسلامي تجمعنا أواصر الألفة والمحبة والقيم الأصلية والعريقة.

ضرورة حفظ المجتمع

وهن تشدد الحياصات على أننا في مجتمعنا الأردني «نستمد نهجنا من الكتاب والسنة كما في قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم..» وفي قوله تعالى «ولا تنابزوا بالألقاب»، ونشد أزرنا بقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده».

وتوجه الحياصات رسالة مفادها أنه «علينا أن نتريث وأن نعي أنّ هذا العالم الافتراضي (الالكتروني) يجعلنا أكثر اقترابا من الآخرين ونستطيع نشر أي خبر أو منشور خلال ثوان معدودة..»

لذا «علينا أن نتوخى الحيطة والحذر وأن نقيّم أي سلوك يصدر عنا، أكان لفظيا أو كتابيا أو عن طريق الايماءات عبر وسائل التواصل الاجتماعي المرئية أو المسموعة».

لأننا بهذا التصرف، توضح حياصات؛ «نعكس صورة لذواتنا ونعبّر بها عن أنفسنا.. فلا نجعلن من أنفسنا أداة لنشر بذور الشر والحقد والكراهية في المجتمع، فما يؤلم الآخرين اليوم قد يجعلك تتألم في الغد، وعلينا أن ننتقي الخبر ونستقي الخير فيه ونتقي الله في أقوالنا وأفعالنا في السراء والضراء.