تخطت الأدبيات الدولية في مجال التنمية الحدود التقليدية لتعريف التنمية لتتحول إلى تعريف آخر يتعلق بالمرونة والقدرة على الصمود أو المنعة في الوصف الأدق، وسعى الأردن منذ سنوات لإحداث تغييرات هيكلية تظهر قدرته على الصمود وخاصة مع تعقد الظروف الإقليمية في العقد الأخير، إلا أن هذه الجهود كانت تتقدم أحياناً وِتراوح مكانها أحياناً، ويبدو أن أزمة فيروس كورونا تجعل من هذا التوجه أولوية تحدث بها جلالة الملك أمام مجلس السياسات الوطني بحضور ولي العهد، مشدداً على أن تتضمن استراتيجية المملكة في المرحلة المقبلة التركيز على حماية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والعاملين فيها، باعتبارها جزءا أساسياً من الاقتصاد الوطني.

وأشار جلالته إلى أهمية التوسع في صناعة إنتاج الأدوية والمعدات الطبية، وتعزيز إنتاج القطاع الزراعي وصناعاته، بما يؤمن مخزونا مريحا لدى المملكة، وهو الأمر الذي يخلق فرصاً مستقبلية للأردن حيث يتوقع أن تتغير أنماط استهلاكية واجتماعية كثيرة في مختلف دول العالم الأمر الذي سيمكن الأردن من الحصول على حصة مستقبلية واسعة من حركة التجارة الإقليمية والدولية على هذا المستوى.

وتأسيساً على منظور واقعي يتعامل مع الظرف الراهن، وسعياً إلى تحقيق توازن عادل بين أصحاب الأعمال الذين يعايشون أزمة غير مسبوقة نتيجة الإجراءات الصحية، وبين العاملين الذين أخذوا يتساءلون خلال الأيام الماضية حول طريقة التعامل مع رواتبهم وأجورهم، اطلع جلالته على الاستجابة التي ستتخذ من الحكومة ومن ضمنها إجراءات تنظم العلاقة بين صاحب المنشأة والعامل، من بينها تمويل 500 مليون كرواتب يحولها البنك المركزي للبنوك، إضافة إلى دفع صاحب المنشأة للعاملين غير الموجودين ما نسبته 50 بالمئة كحد أدنى من أجورهم لمرحلة محدودة. وهو الأمر الذي من شأنه أن يشيع الطمأنينة لدى طرفي المعادلة من أصحاب أعمال وعاملين.

تتركز هذه الرؤية على تحقيق الاستمرارية وتجاوز المشكلات المرحلية كخطوة أولى لاستعادة الطاقات التشغيلية وبما يضمن استمرارية الأعمال قائمة ومنتجة، واستمرار العاملين في مواقعهم، وهو السؤال الذي يتطلب اجابة عاجلة وسريعة، تحركت الحكومة إلى وضعها محل التنفيذ من خلال أمر الدفاع السادس الذي من شأنه أن يضع حداً للجدل القائم بطريقة تحافظ على مصالح جميع الأطراف.

مرة أخرى يضع الملك الأولويات بوضوح أمام الجميع، فالأولى في هذه المرحلة هو الإجراءات الصحية لأنها تتعلق بأثمن ثروات المجتمع والوطن، وهو الإنسان الأردني، وبعدها مباشرة تتأتى الحياة الكريمة التي يكفلها توفير فرص العمل والإنتاج والمشاركة، والتي تشكل اليوم الفلسفة الملكية تجاه مستقبل يؤسس لأردن أكثر مناعة وقدرة على مواجهة التحديات والخروج منها بمكتسبات وطنية تعود على المواطنين كافة والأجيال القادمة التي يجب أن تبقى حاضرة لدى القيادة في جميع توجهاتها وبرامجها.