رصدت حالة إسراف في استخدام مصطلح التنمر تقوم على أناقة الكلمة وقدرتها على التأثير، لتنضم هذه الكلمة إلى قائمة طويلة من التعبيرات التي دخلت في متاهة الصوابية السياسية، وهو مصطلح تصاعد استخدامه أميركياً للحد من لغة الكراهية التي توجه ضد بعض الأقليات مثل الملونين وأصحاب الميول غير المقبولة اجتماعياً.

أتى المصطلح من ظاهرة شائعة للغاية في المدارس حيث يتعرض أحد التلاميذ نتيجة عيوب جسدية أو نفسية إلى المضايقات المستمرة من زملائه الأمر الذي يدفعه إلى الاكتئاب والعزلة وربما يؤدي به إلى محاولة إدانة وإيذاء النفس، وتوسع استخدامه ليدخل لتوصيف أي توجه واسع لإدانة أو رفض سلوك معين، مع أن السلوك هو فعل يستدعي رداً للفعل.

لنأخذ نموذجاً محلياً وهو العرس الذي جرى في مدينة اربد، فلا أحد ينكر أن العرس أحدث ضرراً مجتمعياً بإحداثه فرصة للعدوى، وهو ما استتبعته اجراءات حكومية أدت إلى عزل المدينة وبعض القرى، وبطبيعة الحال فلم يكن أي من المتابعين يقصد أن يحدث ضرراً معنوياً بأهالي المحافظة، ولا أن ينتقص من وطنيتهم، ولكن وجدت حالة من اللوم الاجتماعي تجاه قرار اتمام العرس.

بين آلاف التعليقات وجدت تعليقات غير لائقة، لا يمكن اعتبارها تنمراً بالمناسبة، والمصطلح الأدق، هو تجاوز حدود النقد، إثارة الحساسية، أو إثارة النعرات، فكانت تعليقات محدودة تحاول أن تلصق صفة عامة تجاه أهالي اربد! ولكن أهالي اربد الأعزاء الذين يشكلون جزءاً غالياً ومؤثراً ليسوا مطلقاً في موضع ضعف أو استضعاف لينطبق على الحالة مصطلح التنمر!

لنرتب الأمور ونضعها في نصابها، يوجد استياء شعبي يجري التعبير عنه، وتوجد شواذ تثير بقصد أو عن غير قصد نعرات يجب أن يجري تنبيهها في الحالة الأولى، واتخاذ الإجراء القانوني في الحالة الثانية.

الرأي العام لا يتنمر! الرأي العام يمكن تضليله، وتوجد شوائب في تفكيره ومواقفه نتيجة ضعف المعلومات أو غيابها، وتوجد درجة من العاطفية في تعاطيه، وملاحظات أخرى كثيرة، ولكن وصف الرأي العام بالتنمر مسألة ليست سليمة بالمطلق.

الحديث ليس للدفاع عن التنمر، ولكنه محاولة لتوصيفه بدقة، والتيقن من اكتمال أطرافه، والتعريف ضروري ليتمكن المجتمع من فرز خطاب الكراهية والتحريض وإثارة النعرات من بين خطاب يوصف بالتنمر! مع أنه رد فعل مجتمعي يجب رصده بعقلانية لتحديد منسوب الرضا أو الغضب في المجتمع بدلاً من تبادل الاتهامات بالتنمر، فما يحدث هو حالة من التعبئة الاجتماعية والتعبير الضروري.