العالم بجيوشه وإمكاناته يخوض حربا عالمية ثالثة بكل مواصفاتها، فالجيوش بمقدراتها على أهبة الاستعداد في الميدان والعدو الشرس وباء لا يرى بالعين المجردة، انهارت القدرات والأنظمة الصحية، ونصف سكان البشرية في حجر منزلي، متفقون على حقيقة واحدة حتى الساعة، أن هذا العدو للبشرية بخصائص مجهولة وسلوكيات غير نمطية، حتى بتحليل مادته الجينية، وقدرته على التحور والتحول والإنغلاق على ذاته، واقع، فرض إنخراط فصيل من الجيش الأبيض على مستوى العالم للقتال بالجبهات الأولى، وفصيل إلتصق بمختبرات الأبحاث والتحليل بهدف كشف خصائص هذا الفيروس اللعين تمهيدا لاكتشاف علاج للمرض، وإيجاد مطعوم لمنح المناعة وضد الإصابة القاتلة بالمرض. بذات الوقت، نرى أن علماء الغرب ممثلا بشركاتهم العملاقة ذات الميزانيات الضخمة، وقد انغرسوا في البحث والتحليل، بميزانيات غير محددة السقوف، وتهيئة ظروف الاختراع دون تسرع أو استنتاج، يتعاونون، يتساعدون، يتبادلون المعلومات والنتائج، وضمن أسس البحث العلمي ومراحله، دون إعلان انتصار، بالرغم من سباقهم المحموم لإنتاج العلاج والمطعوم، وكلهم ذات الاختصاص العلمي وذات باع طويل بهذا الأمر.

الأمر لدينا مختلف تماما، فتجدنا في البلاد العربية كعادتنا، ننتظر النتائج العلمية وقد ارتضينا لدور الكومبارس العلمي، أو بطولة السبق بنشر الخبر، وقد أشغلنا ذاتنا ونحن في وسط المعركة بحروب جانبية لا تساهم بأي فائدة على مستوى الحرب والنتيجة، فهناك من العلماء (ومنهم أساتذة في الجامعات) من تبرع بنشر مواهبه العلاجية بواسطة الأغذية التقليدية كالفول والملوخية والليمون والثوم وغيرها، وهناك من تطوع بتبني نظرية المشروبات للأعشاب الساخنة وقدرتها على سحق الفيروس في حنجرة المصاب، بينما شب خلاف قُطْرِيٌ عن جنسية شاب عربي الملمح بمقتبل العمر يبيع كمامات تنفسية متهالكة، وغير ذلك من الأمثلة المؤسفة أو الاستبيانات التي تدفقت بسرعة تسابقية للنشر بالنتائج عن مدى الالتزام بمواصفات الحجر المنزلي وتأثيره، وقدرة الخطوات الحكومية على معالجة احتياجات ومتطلبات الشعب، وربما الضربة القاتلة بإعلان البعض العربي للتوصل للعلاج الشافي وتبني بعض وسائل التواصل الاجتماعي لهذا الانجاز دون ضوابط، خوفا على سمعتنا العلمية التي تحتل مكانة مقدرة. مناسبة للدعوة بضرورة إيجاد التشريعات الناظمة والملزمة لهذا الأمر الذي بصورته الحالية يشوه صورتنا ويفقدنا المصادقية الدولية.

تحديث المعلومات الطبية للجيش الأبيض المقاتل وترميم المتوفر والمتداول منها، بل وتصحيح مفاهيم كان لها وهيج سابق في فترة زمنية يمثل حكرا وحرصا فكريا بامتلاك مقومات وأسرار النجاح للفئة المجتهدة التي تؤمن بضرورة تناول جرعة المناعة العلمية السنوية، للفئة التي تجود فيها على نفسها بواقع يحفظ بريقها وتميزها ويجعلها من ربع الأمجاد، للفئة التي اجتهدت باستقراء المستقبل حيث تمثل المستجدات الطبية وتوظيفها لخدمة الجسم الطبي بكافة أركانه واحدا من تحديات التميز والزمن والتي يجب أن تكون هدفا مشتركا لأبناء المهنة وأحفاد أبقراط وورثته، بل وتجعلنا نلتحف الجديد الذي يبعدنا عن روتين العمل والأداء بالاستمرارية، فتحديث المعلومات والمهارات الطبية تساعدنا بالمشاركة الفاعلة لتوظيف الاكتشافات الحديثة والاستفادة من نتائج البحث العلمي التي تجرى بمختبرات الابتكار خصوصا أننا قد ارتضينا لظروف مختلفة - نحترم البعض ونتحفظ على الغالبية منها - بدور سلبي يتمثل بالاستيراد الجاهز قيد الاستخدام برسم التسليم دون مساهمة حقيقية تجعلنا شركاء حقيقيين بالاكتشافات العلمية بدلا من التمجيد بماض انتهت فصوله وحلقاته دون برهان بل بشكوك تغلف معطياته، وربما ما يزال البعض يتمسك بقضبان قطار أتلفت فواصله نتيجة عوامل الزمن والطبيعة والتحديث المستمر عبر مسافات العمر، وللحديث بقية.