الدكتور عامر العورتاني - أخصائي علم الاجتماع

في تصرف بريء يتسابق الأطفال نحو النوافذ قبل السادسة مساء ليفوز أحدهم بأنه أول من سمع صوت صافرات بدء حظر التجوّل، لقد أوجدوا داخل مخيلتهم خيطا خفيّا مع تلك الحكاية التي تنتهي فيها فرصة الفتاة بحضور حفلة الأمير مع دقات الساعة، وهم ينجحون طوال الوقت في التعامل مع تفاصيل يومهم في الحجر دون ضجر، إنها عبثيّة الطفولة التي تبدع في البحث عن الفرح خلف زوايا الأحداث المحمّلة بالخوف والترقب.

إن العالم آخذ بالانغلاق يوميّا مع تصاعد أعداد ضحايا جائحة الكوفيد – 19، بعد أن تسلل الفيروس القاتل ليفكك نمط الحياة المعتاد، ويجعل الجميع يواجهون واقعا موحشا، ما يجعل السلوك البشري أمام حالة من التغيّر في أنماط العلاقات الفردية حتى على مستوى العائلة الواحدة، إنه فخ » هوبز» الفيلسوف الإنجليزي الشهير الذي بيّن أن الخوف يتراكم بين البشر، مجبرا إياهم على الدفاع عن أنفسهم، حتى يصبح الجميع محل شك متبادل، فوفقا لمفهوم سيكولوجيا الأوبئة Epidemic Psychology، فإن المجتمعات تشهد تحت تأثيرها موجات من الخوف الجماعي الذي يخلق نوعا من التشويش في طريقة تفسير أسباب هذه المعاناة، الأمر الذي يؤدي إلى إحداث تناقض في القيم التي تشكل مصدرا لكمّ من السلوكيات الهادفة لمواجهة الوباء، فالوباء وفقا ل » هوبز » مثل الحرب يؤسس لتغيّرات في نمط الحياة اليومية، الأمر الذي ينعكس مع الوقت على أفكار وأنماط الحياة الإنسانية.

لكن الفرد ما يلبث أن يمتص الصدمة، ويبدأ بالتغلب على مخاوفه، مخفضا من مستوى دفاعاته، بعد أن حقق نسبة من الأمان بتأكده من توفر احتياجاته الأساسية بشكل كاف في خضم الإجراءات الإدارية التي تتخلل الحجر المنزلي، لتتركز المشكلة لديه بعامل الوقت الثقيل وكيفية قضائه في أضيق الحدود، وهنا يبدأ الفرد بالبحث عن الذات مكتفيا ببعض الهوايات في البداية، لكنه ما يلبث أن يتنبه لبعض الأفكار الجديدة التي تمنح بقاءه رهين المنزل معنى ذا قيمة، لا سيما بعد أن طوّر أطراً مختلفة لعلاقاته بالعائلة والأصدقاء والمجتمع الخارجي، وهنا قد يترجم البعض استجابته لظروف الحجر إلى تصاعد في الشعور الجمعيّ، فتبدأ المبادرات الفردية والجماعية بالظهور، نتيجة للإحساس بضرورة التضامن بين أفراد المجتمع الذي يقف على صعيد واحد مع ذات عنصر التهديد.

لقد بات الأمر ملموساً في أغلب المجتمعات بدءا من مبادرات التواصل عبر النوافذ والشرفات لبث الأمل، ومشاركة فراغ العزلة، مرورا بمبادرات التكافل الإجتماعي بتقديم المساعدات العينية، وإنشاء صناديق لتبرعات الأفراد ومؤسسات المجتمع النقدية لدعم جهود الدولة في مواجهة الوباء، ليتخلل ذلك إبداعات شبابية تمثلت في برمجة تطبيقات للتكيّف مع بيئة الحجر كتطبيقات التعلم والتسوّق عن بعد، حتى أن بعضا من شركات السيارات والمشاريع الإنتاجية الصغيرة أحدثت تحولا في نوعية منتجاتها وفق متطلبات الأزمة، وبما يتناسب والتشريعات الناظمة للحياة في تلك المجتمعات، واللافت أن عدوى المبادرات أحدثت تشابها في أدواتها وغاياتها والفئات المستهدفة منها في مختلف بقاع الأرض، في صورة تعبيرية عن معاني العطاء والتكافل ووحدة الجنس البشري، تلك المعاني التي غابت طويلا خلف نيران الحروب، ودخان المصانع، وجدران الأسواق المالية، لتوقظ في الإنسانية مشاعر الخير والحب والأخوّة، وتحفز منابع الإيثار والكرامة والسلام، فها هي المساعدات الطبية تعبر الحدود غير آبهة بخصومة الأمس، فالكل صديق الكل، وكلنا في الهمّ شرق وغرب.

والمبادرة تثبت أن قلب المجتمع لا زال ينبض بالحياة، وهي الوسيلة الأكثر جدوى في ظروف الأزمات لخلق الأفكار، وإيجاد الحلول، واستثمار الطاقات، وسد ثغرات العجز التي لن تكون الدولة وحدها قادرة على مواجهتها في ظل الضغط الطبي والأمني للأزمة.

ومما لا شك فيه أن الأثر الاقتصادي لجائحة 2020 يتضح تدريجيا في ظل الشلل التام الذي نال من مختلف قطاعات المال والأعمال، ما يعني أن العالم بعد الكورونا لن يكون كما قبله، لا سيما وأن هذه الآثار مرشحة للتعاظم في ظل الروابط التجارية والمالية الدولية، ما قد يدفع بالاقتصاد العالمي إلى أسوأ حالاته منذ الأزمة المالية العالمية، الأمر الذي سيلقي بظلاله على معدلات النمو والتنمية، فكمّ المعاناة سيكون هائلا في ظل ارتفاع معدلات البطالة، واتساع جيوب الفقر، وما يتبع ذلك من مشاكل اجتماعية قد تطيح بالكثير من جهود تمكين المرأة وحماية الطفولة، ويقود المجتمعات إلى خوض صراعات نفسية واجتماعية جراء الاضطراب الاقتصادي المتوقع.

ليس أمام المجتمع الإنساني والحال هكذا سوى أن يعيد فتح دفاتره، ومراجعة ترتيب أولوياته، فالمعركة لن تنته بالنصر على الفيروس التاجيّ فقط، فالإنسانية على موعد مع امتحان آخر لقيم العدالة والكرامة والعطاء والإيثار والسلام، تلك القيم التي تنهض بالبشرية على امتداد الكوكب، وتحمي المرضى والمعنفين وضحايا الاستغلال والأنانية، وأمام هذه المحنة لا بد من استمطار الأفكار، في محاولة لإنبات معاني الأخوّة الإنسانية والتكافل الإجتماعي، للخروج من نفق الانكماش الاقتصادي المحتمل، وتداعياته والتي لن تفرق بين متقدم ونام من المجتمعات.

لذا فإننا أمام ظرف لم تعد المبادرة والريادة في التفكير ترفا يفرغ من خلاله الشباب طاقاتهم بمشاريع مؤقتة على شكل خدمات تقدم للبيئة أو المجتمع المحلي، وإنما هي وسيلة للنهوض الحقيقي من حالة الاستهلاك إلى حالة الإنتاج، حالة يجب أن تؤدي إلى وضعنا في موقع ابتكار الحلول وامتلاك براءة الريادة، حالة ينتقل فيها التعليم من استهلاك المعرفة من بين ثنايا الكتب والنظريات إلى صناعة العقول القادرة على النقد والإبداع في إيجاد الحلول، فلا بد من تفعيل دور الجامعات ومراكز الدراسات ومختلف مؤسسات المجتمع ومشاريعه الاقتصادية المختلفة في حالة من العصف الذهني لابتكار الحلول، ولا بد من جعل البحث العلمي والمشاريع الريادية الأولوية الأولى التي تتصدر مشاريع الموازنة، ولا بد من توجيه وسائل الإعلام نحو العناية ببرامج تدفع بالشباب إلى التمثّل بنماذج رائدة في مجال الاقتصاد و العلوم و الثقافة، يجب أن تصبح المبادرة ركيزة للإقتصاد، وثقافة مبنيّة على عمل مؤسسي مستند إلى الوعي والتعليم، من خلال إنشاء مراكز مختصة بتبني المشاريع الريادية ذات الطابع الإنتاجيّ التي تتخذ شكل مشاريع تشغيلية ونشر ثقافتها بين الشباب، فيرتفع شأنهم جراء انتقالهم من مستوى التهميش إلى مستوى التفكير الخلّاق المساهم بفاعلية في إدارة عجلة الاقتصاد.

من المؤكد أن الشباب في المرحلة الحالية من الوباء يمرون بحالة من التحديث الذاتي الناتج عن القبول بالواقع الذي فرضه كورونا، ما يجعلهم الأقدر على تحديد متطلبات المرحلة اللاحقة عبر ما تحقق بداخلهم من مصالحة ستعزز مناعة توازنهم أمام الأصعب القادم، لذا فإن جعلهم جزءا من الجهد الجماعيّ لمواجهة المشكلة أمر جوهريّ، فلا بد من بناء قدراتهم، والاستفادة ضمن الحد الأقصى من كل ماهو متاح من موارد بشرية ومادية، بدءا من الأعمال التطوعيّة التي ستؤهلهم للمبادرة بمشاريع إنتاجية تعود عليهم وعلى المجتمع بالنفع المادي.

فلنجعل من العزلة الجبرية فرصة لاكتشاف نقاط القوة في شبابنا، وتعزيز الطموح والقدرة على تحمل المسؤولية والتفكير الإيجابي فيهم، فلنعلمهم حسن التصرف ليتقنوا إدارة الوقت وإدارة الحياة، ولنعلمهم أن المسؤولية المدنيّة والأخلاقيّة مقياس للجهد ومعيار للتميز، فلنعلمهم أن روح الجماعة أداة للنجاح، ولنعلمهم أن قيم الإبداع، والحرية، والكرامة، والإنسانيّة، والسلام ليست مضطرة للوقوف على مسافة آمنة.

Dr.amer.alawartani@gmail.com