عمان - جوان الكردي

الحجر المنزلي، الذي اضطرت الحكومة إلى فرضه على جميع أفراد المجتمع، لم يغير كثيرا في نمط معيشة الأربعينية «أم علي».

وخلافا لكثيرين، وخصوصا من الشباب والرجال، تشعر بالسعادة وهي ترى جميع أفراد الأسرة يسهرون معا ويسامر بعضهم بعضا.

تقول أم علي: الحجر لم يؤثرعليّ كثيرا كوني ربة بيت، فأنا بالأصل هذه حياتي ولم يزعجني هذا القرار.

وتوضح أم علي بأنها تحب «اللمة» في البيت وأولادها بقربها، وبأن برنامجها اليومي هو أهم شيء بالنسبة لها؛ النظافة وإعداد وجبات طعام متنوعة بناء على رغبة أولادها.. وما يشتهون ويطلبون من الحلويات والطبخ.

لأم علي ثلاثة أبناء شباب مغتربون، وهي دائما تتواصل معهم وتطمئن عليهم عبر الإنترنت.

أم علي لم يصل الضجر والملل إليها حتى الآن، وتوضح بأن كل شيء «مسيطَر عليه » حتى اللحظة.. وهي تبذل جهدها لتبعد الضجر والملل عن أبنائها، لكن الصعوبة التي تواجهها هي مع إبنها الصغير(في الصف الثاني)، الذي «يرفض الدراسة عن بعد».

أبو علي، زوجها، يخرج إلى عمله يوميا، بتصريح من الحكومة، لذلك «لم يتغير عليهم من الروتين اليومي الذي كانت عليه ما قبل الحجر إلا النزر اليسير.

وهي لا تجد أن الحجر أحدث فجوة كبيرة في حياة أولادها، فهم استطاعوا أن يجدوا أشياء تشغل وقتهم، وخصوصا في التسلية ومتابعة أحدث الأخبار حول الفيروس الذي يشغل العالم أجمع، وكذلك تية بعض الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي، وإجراء الاتصالات والحديث مع الأهل والأصدقاء حتى ينقضي الوقت. وعندما يضجر الأولاد تقوم بتسليتهم عن طريق لعب الورق أو غيرها من الألعاب الجماعية.

وكما نجد كثيرا من السيدات اللاتي تتشابه أحوالهن مع أم علي.. إلا أنه ليس الجميع مثلها أو في مثل وضعها..

فرصة للتواصل.. بدون مخالطة

فالثلاثينية نيفين دياب، وهي تعمل موظفة في شركة، فتعرض لتجربتها الشخصية مع الحجر في ظل أزمة الكورونا..

تقول نيفين أن الشركة التي تعمل فيها طلبت إليهم في البداية أن يعملوا من البيت، وهذا القرار «ساعدني في التغلب على صعوبة الذهاب إلى مقر العمل وإنجاز الكثير من الواجبات الموكلة إلي».

وبعد الانتهاء من العمل تبدأ نيفين بمساعدة والدتها في مزاولة مهام المنزل وإنجازها، ومن ثم «أبدأ في تصفح الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي وأستمع الى أحدث المستجدات المتعلقة بملف كورونا محليا وعالميا».

ولا تغفَل نيفين عن التواصل مع صديقاتها ومعارفها، «ففي كل يوم أتحدث مع شخص أو شخصين تقريباً».

وهي انتبهت إلى أنها فيما قبل زمن الكورونا، وقبل الحظر، كانت تشعر بأنها مقصرة مع الجميع، بسبب انشغالها بالعمل ووقته الطويل، لكن أزمة الكورونا سمحت لها بالتواصل مع الجميع، وإن كان عبر العالم الافتراضي أو الاتصال الهاتفي.

كما أنها وجدت في الوقت الحر الزائد لديها فرصة لكي تقضي المزيد من وقتها في العبادات وتلاوة القرآن وقراءة الكتب وممارسة الرياضة المنزلية.

وتُلفت نيفين إلى أنها، حتى عندما سمحت الحكومة للمواطنين بالنزول إلى الأسواق وشراء احتياجاتهم الأساسية، «لم أنزل إلى الشارع قط حتى لا أختلط بالآخرين، خصوصا أن معظم الاحتياجات الأساسية وبحمدالله متوافرة في المنزل، وفضلت البقاء في الحجر مع عائلتي إلى أن يزول هذا الكابوس ونعود إلى حياتنا الطبيعية».

ولربما كانت مسألة المكوث في البيوت أسهل على الكثير من النساء، مما هي عند الرجال، وبخاصة الشباب الذين يحبون إزجاء أوقاتهم إما في العمل أو مع أصدقائهم خارج المنزل.

ومن هؤلاء من يرى البقاء داخل جدران البيت «حبسة» لم يكن ليتحملها في ظل الظروف الطبيعية والاعتيادية.

التعرف إلى الذات.. والآخر

الناشط الشبابي يوسف النعيمات يقول أنّ فكرة الجلوس في البيت بالنسبة إليه كانت «تؤرقني قبل فترة الحظر»، ولكن سرعان ما تلاشت هذه الفكرة «عندما وجدت أن بإمكاني استثمار وقتي بأمور يحتاجها المنزل».

ويوضح نعيمات أن «الحبسة» أو الحجر، كانت «فرصة لي لأن أصلح بعض الخلل والأعطال الكهربائية في البيت مثل (اللمبة) التي منذ أشهر وأنا متكاسل من أن أصلحها». كما أنه وجد في المكوث في المنزل فرصة لكي «أتعلم خبز المعجنات.. وهي هواية كنت أرغب منذ زمن في تعلمها وممارستها.. وكم فرحت بأول قطعة معجنات آكلها من صنع يدي».

وأتاحت له «الحبسة» فرصة البحث على الإنترنت عن ألعاب إلكترونية جماعية «أقوم بتجهيزها وإرسال الرابط للمجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي كالواتساب.. ونقوم بتحديد وقت معين للعب والتنافس».

وهو لاحظ أن هذه الألعاب «ساعدتنا جميعاً في الخروج ولو لفترة بسيطة من التفكير المرهِق والضغط النفسي الذي نعيشه خلال هذه الأيام».

ويشير نعيمات إلى أن فترة الجلوس بالبيت لأيام «جعلتنا نتعرف أكثر على ذواتنا وقدراتنا وإمكاناتنا، ونبهتنا إلى أشياء كثيرة كنا نغفل عنها».

وهو لا يدري حتى الآن ماذا سيفعل إن طالت مدة الحجر أكثر من المتوقع لها، لكنه واثق أنه سيجد عندها الكثير من الأمور المفيدة التي ستشغل وقته، و"نسأل الله أن تمضي هذه الأيام سريعاً ويعود الحال كما كنا وأفضل».

قلة خطط إشغال الوقت

الأربعيني طارق بني حسن يقول أن هذا الأمر جاء على الجميع بلا استثناء، وأنه لا مناص من التسليم بالتعليمات التي فرضتها الحكومة، ونحن نعلم أنها تهدف لحمايتنا، رغم أنها تشق على النفس، ولكن «ليس لدينا خيار إلا التسليم بالأمر الواقع واحترام التعليمات ومساندة جهود الحكومة حماية لأنفسنا وأهلنا ومجتمعنا». غير أن ما يشغل بال طارق، الذي يعمل في قطاع المقاولات، هو أنه ليس لديه الكثير من الخطط أو البرامج أو المشاغل ليقضي هذا الوقت الطويل.. «غير النوم ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي وقراءة بعض الكتب والجلوس على شرفة المنزل ومراجعة النفس».

اللعب مع العائلة

الأربعيني أحمد هلال لم يتعود على البقاء لفترة طويلة داخل المنزل، ويقول أن جلسة البيت صعبة جدا وبخاصة «لنا نحن الرجال المعتادون على العمل أو السهر مع الأصدقاء»، إلى أن جاءت هذه الأزمة «واضطررنا إلى أن نمكث في البيت».

ويعرض أحمد، الذي يعمل محاسبا في شركة، لما حدث معه خلال هذه «الحبسة» بالقول: «أول الأمر بدأت تبرز هناك مشاكل مع زوجتي وأولادي.. لم أستطع أن أتحمل ضجيج الأولاد، وتنظيف البيت أمامي وخلال وجودي، ولكن؛ لم يكن أمامي شيء لأعمله، فلا مناص لي من المكوث معهم.

ويتابع بالشرح: «بعدها بدأت الأمور تتحسن؛ صرت أُشغِل وقتي باللعب مع الأولاد حتى لا أسمع صراخهم، وتفاهمت مع زوجتي حول آلية تنظيف البيت خلال نومي، وعرضت عليها مساعدتها في المطبخ، حتى يمضي الوقت، وبالليل صرت أستمع إلى آخر الأخبار لمتابعة مستجدات الأزمة وخصوصا في بلدنا.. كما علّمت زوجتي لعب الورق».

ويقول الناشط الشبابي حذيفة التميمي أنه بالنسبة إليه استطاع أن يتابع جزءاً كبيرا من عمله من المنزل.

ويعمل حذيفة مديرا لقسم المشاركة المجتمعية في أحد المشاريع ومعه فريق عمل، وكان «جزء من العمل يتطلب القيام بزيارات ميدانية».

قبل إعلان الحجر اتفق هو والفريق على عدد من الإجراءات للقيام فيها تحسبا اذا أعلنت الحكومة حظر التجول، من بينها: بدء الدوام منذ التاسعة صباحا بأن يرسل كل شخص قائمة بالمهام التي سيقوم بانجازها خلال اليوم، ونجتمع عن بعد لمناقشة المستجدات. وبنهاية اليوم نرسل ايميلات بأهم الانجازات التي استطعنا تنفيذها».

وهو، كما يذكر، من طبعه أن يتقاسم مع زوجته أعمال المنزل وأشغاله «قبل زمن الكورونا».

ومنحته هذه العزلة الإجبارية هامشا واسعا من الوقت لكي يجالس طفله الصغير «آدم»، الذي «أصبح لديه جزء أكبر من الوقت لنمضيه في اللعب والتسلية، وهو الأمر الذي لم يكن متاحا سابقا

ولا يخفف حذيفة من وطأة وصعوبة مسألة المكوث داخل البيت والبقاء حبيس جدرانه، فهو يقر أن الأمر «ليس سهلا؛ وعانيت الكثير وضغطت على نفسي لأعودها على البقاء داخل المنزل».

لكنه في ذات الوقت يؤكد أنّ «علينا أن نحافظ على الهدوء وأن نبقي على الروح الإيجابية في البيت ونلتزم جميعا بالتعليمات التي تصدرها الجهات الحكومية بعدم مخالطة حتى أقرب المقربين منا والمكوث في البيت إلى أن تنتهي الفترة التي تحددها وزارة الصحة، حفاظا على صحتنا وصحة أحبائنا وأقاربنا وجيراننا وأحبائنا ولمصلحة وطننا الذي لم يقصر معنا ولم يخذلنا ساعة الشدة».

مع انتشار الكورونا والالتزام بالجلوس بالبيت، يمكن قضاء الوقت بفعل الكثير من الأشياء، وتتيح الفرصة لهم للتعرف على بعضهم بعضا، وليستمع الآباء والأمهات إلى أبنائهم ويتقربوا منهم أكثر ويتحاوروا معهم فيما يشغلهم ويناقشوا معهم ومشاكلهم ويشجعوهم لمواجهة هذه الأزمة ويساهموا في الحد من الخوف من كورونا.

وكذلك يمكن أن تكون هذه الإجازة المنزلية فرصة للكثيرين منا لكي نكشف عن مهارات لم نكن نعرفها عن أنفسنا أو أن بإمكاننا أن نمارسها.

في المحصلة.. أحوالنا ومقدرتنا على التكيف مع الوضع الاستثنائي، الذي نأمل ألا يطول.. يذهب بنا إلى الحكمة التي أوجزها المتنبي:

والنفس راغبة إذا رغّبتها وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنَعُ

فهل نرغِّبها؟ أم تَقْنَع؟