صدق أحمد شوقي في قوله: وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق.. إن شيمة الوفاء رأس مال الأحرار، وكل وفاءٍ هو بحجم المروءة التي تربى عليها الانسان وانجبل، وقيمة الوفاء تزداد قيمة كلما كان المبذول نقياً طاهراً وعن طيب نفس..

في الأمس القريب كان معاذ الكساسبة وسائد المعايطة وراشد الزيود ومعاذ الدماني يسددون كامل التزامهم تجاه الوطن، فقدموا اعز ما يملك الانسان، قدموا ارواحهم على اكفهم مقبلين على الموت ليعيش بقية الشعب ويحيا الوطن، ويرتقوا الى ربهم شهداء.. ارتقوا هم واخوة لهم لينعم هذا الحمى ومن فيه بالأمن والأمان.. لينام الجميع بكل طمأنية وسلام على اولاده وبيته وشركاته ومصانعه ومصالحه..

في الأمس القريب كانت «داعش» العابرة لكل دول الاقليم تدق بوابات الوطن، كانت داعش ومن يؤمن بديدنها يتحينون الفرصة لينقضوا على هذا الوطن؛على ارضه وشعبه، على بنوكه ومؤسساته، على شركاته ونقاباته، على معامله ومصانعه، على نواديه واحزابه.. واعني ما اقول، لأن خير عبرة في هذا الوقت ما اقترفته داعش في الشام وليبيا والعراق من جرائم، وكيف كانت الارواح تزهق رخيصة بالنسبة لهؤلاء الخوارج.. لقد كانوا يخطفون رجال الأعمال ويساومون لمن يدفع اكثر من الفصائل الاخرى، وكانوا يخطفون الاطفال وغيرهم ويطالبون بالفدية وإلا الموت.. نعم هذا واقع الحال الذي كان، حتى عاد الجميع الى الصفر وقد تبخر كل شيء، ولم يبق للشعب غير رقعة من ارض ممزقة، ما هي الا ركام اقرع، حاسر الرأس من كل مقومات الحياة والبناء والاستثمار والبزنس !

نعم هؤلاء الشهداء كانوا على الموعد حينما نادى المنادي «يا خيل الله اركبي» فركبوا الموت واضعين الأردن وكل ابنائه في اعينهم، فإما شهادة وإما وطن نبكيه ولا نستطيع الحفاظ عليه كالرجال، فكان لهم ما ارادوا بشهادة تكيد العدى، وربحوا هذا الوطن الذي سيذكرهم ويترحم عليهم الى ان يرث الله الارض، فكانت في صحائفهم مع الانبياء والصديقين والصالحين والشهداء..

نعم لقد وقف ابناء قواتنا المسلحة الجيش العربي الأردني وكل أجهزتنا الأمنية صفاً واحداً كالبنيان المرصوص في وجه المؤامرات التي حيكت وداهمت هذا الوطن، ومر على اردننا مفاصل ووقائع، كان الجندي الاردني يودع اهله ويكتب وصيته ويقبل على واجبه بكل عزم وشموخ.. ثماني سنوات من الخريف العربي والأعاصير تضرب في ابواب الاردن، غير انها تكسرت على زنود الجند بقيادة عبد الله، لتستمر عجلة الحياة وعجلة الإنتاج.

نعم مقابل كل قطرة دم نزفت من هؤلاء الشهداء هنالك مصنع تم تشييده، ومقابل كل قطرة دم نزفت من هؤلاء الشهداء هنالك مدرسة استحدثت، وجامعة تطورت، وشركة توسعت، ومزرعة اثمرت، ومقابل كل زفير من انفاسهم الأخيرة طائرة حلقت، وباخرة ابحرت.. وأكاد اجزم أن النفس الأخير كان بحي على الصلاة حي على الوطن..

وها قد حان دور السداد يا معشر الأحياء، علنا نرد بعضاً من الدين لهذا الوطن الذي لولاه لكنا خارج التاريخ والجغرافيا، وربما حطت جثثنا على شواطئ اوروبا او تحت صفيح تلفحه الصحاري، نستجدي لقمة العيش من نهاية الأعصاب وشاحب الأقدار.. لقد حان الدور لرد الجميل إلى الشهداء إلى راشد وسائد والمعاذين وإلى هذا الوطن.

ziud1@yahoo.com