عمان - فاتن الكوري

قال الكاتب رأفت خليل ان فعل التثقف لم يعد مقصوراً على القراءة فقط، فالقراءة الآن لم تعد تتوقف على قراءة المواد المكتوبة أو المطبوعة، بل تشمل المواد المكتوبة والمسموعة والمرئية. مضيفا ان الأدب بشكل عام صار ينحى نحو المواد المرئية والمسموعة أكثر. وأنا لا أقول أن الأدب المكتوب سيتقلص أو يتلاشى بالمستقبل، فما تزال القراءة من المواد المكتوبة لها جاذبيتها لدى أغلب الناس.

وأكد خليل ان فيروس كورونا قد يتسلل الى كافة فنون الأدب لأنه حدث جلل وأثر على حياة الناس. لكن لا أعتقد أنه سيشكل ما يمكن تسميته إصطلاحاً «أدب كورونا».

- هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك أو إعادة ترتيب تفضيلاتك في القراءة؟ وماذا قرأت لو تقرأ الان؟

بلا شك أن الظروف الراهنة لها تأثير على سائر سلوكيات البشر، فهذا الفيروس الذي ضرب العالم أدى الى تغيير عادات وتوجهات الناس التي كانوا يمارسونها بشكل طبيعي، ومنها بالطبع عادات القراءة، فبعد كل حدث كبير، أول ما يتجه إليه المرء هو محاولة الفهم والمعرفة لما يجري حوله راهناً من خلال القراءة. إن فيروس كورونا هو حدث إستثنائي تسبّب بشلل عام لكل مفاصل الحياة الإقتصادية والإجتماعية الطبيعية، ولابد ان تأثيره يمتد الى الحياة الثقافية. وكإجابة على سؤالك، فإن ما يقرأه الجميع الآن هو كل ما يتعلق بالفيروس وإنتشاره بما في ذلك الدراسات والابحاث العلمية المتعلقة به والنصائح الصحية والإرشادات لتفادي الإصابة به وكذلك تأثيراته المتوقعة على الإقتصاد والسياسة والسلوك الإجتماعي للناس. بالنسبة لي فهذا ما أقوم بقراءته في الوقت الراهن، وعموما فهذا الوباء لم يتسبب بإعادة ترتيب تفضيلاتي في القراءة، فأنا أقرأ بالعادة لأفهم أكثر العالم من حولي، وأتذوق التجارب التي تمنحها الحياة سواء كان من خلال القصص أو الروايات أو الشعر أو حتى من خلال متابعة الأخبار العادية. وهذا ما يجب أن يكون، فهذا الوباء لا يجب أن يوقفنا عن ممارسة شغف القراءة لما نحب أن نقرأه.

- كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا:

طبعاً، على المرء أن يلتزم بالتدابير الحكومية التي تهدف لحماية الناس. ومنها بالطبع البقاء في البيوت. أقضي وقتي مع عائلتي في البيت، وأقوم بالقراءة والكتابة أحياناً، وأشاهد الأفلام والمسلسلات ولدي شغف بحضور البرامج الثقافية المتخصصة على التلفاز. إن فعل التثقف لم يعد مقصوراً على القراءة فقط، القراءة الآن لم تعد تتوقف على قراءة المواد المكتوبة أو المطبوعة، بل تشمل المواد المكتوبة والمسموعة والمرئية. إن الأدب بشكل عام صار ينحى نحو المواد المرئية والمسموعة أكثر. وأنا لا أقول أن الأدب المكتوب سيتقلص أو يتلاشى بالمستقبل، فما تزال القراءة من المواد المكتوبة لها جاذبيتها لدى أغلب الناس. وهناك مقولة مشهورة لإلبرتو إيكو الروائي والناقد والفيلسوف الإيطالي والذي كان يملك مكتبة بها 50 الف كتاب مطبوع، وكان مدهشاً أن يعترف أنه لم يقرأها كلها، بل أشار الى أن المرء يمكن أن يتأثر بكتب مطبوعة بحوزته دون أن يكون قد قرأها سابقاً، بل أنه يمكنه الحديث عنها بكل جرأة، وكان لديه نظرية غريبة عن الاحتفاظ بالكتب الورقية والتأثر بها دون قراءتها. عموماً فإن الكتاب الإليكتروني صار له مريديه ومعجبيه الذين يتزايدون يوماً بعد يوم. وأنا ممن صار يقرأ الكتب الإليكترونية والمسموعة وملخصات الكتب التي صارت تعج بها شبكة الإنترنت، ودون التنازل بالطبع عن قراءة الكتب المطبوعة التي يمكن الحصول عليها. وفي ظل الظروف والأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا، فإن القراءة من المصادر المتوفرة صارت أكثر إلحاحاً، وربما يكون لها تأثيرها على المستقبل.

- بوصفك مثقفا.. هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن والصراعات الدائرة فيه؟

لا، لم تتغير مفاهيمي تجاه الحياة والعصر الراهن أو الصراعات الدائرة فيه. أنني مدرك تماماً أننا في مرحلة تغيير كبرى ستطال حياة الناس جميعاً وإن لم يظهر ذلك بشكل واضح بعد، وهذا ليس بسبب فيروس كورونا فقط. هذا الفيروس يبدو مثل الدبوس الذي سيفجّر بالوناً امتلأ بالهواء عن أخره وكان سينفجر بكل الأحوال. إن النظم الإقتصادية والسياسية والإجتماعية للبشر على وشك التغيّر، ونأمل أن تكون للأفضل.

- برأيك، ما هو دور المثقف في هذه الأوضاع.. هل بإمكانه انه يساند الاجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل والسلوك الترشيدي. وكيف؟

بالطبع، على المثقف أن يقوم بدوره في هذا المجال. إن أهمية المثقف العضوي في المجتمعات الحيّة لا يقل أهمية عن الطبيب الذي يعالج المرضى ويمنحهم النصائح والإرشادات الطبية من أجل صحتّهم. أن تردّي وتراجع دور المثقف يؤدي الى تردّي وتراجع المجتمعات في وعيها وفهمها وسلوكها.

- هل تعتقد أنه سيكون هناك ادب يسمى ادب كورونا؟

لا أعتقد أنه سيكون هناك أدب يسمى أدب كورونا. لكن سيكون هناك توظيف لهذا الفيروس وتأثيراته الاقتصادية والإجتماعية في الأدب عموماً، وقد بدأنا نشهد ذلك بالفعل، فقد سمعنا عن روايات نشرت حديثاً تتحدث عن الفيروس رغم أنه لم يمض على ظهوره مدة طويلة. وهناك عموما حراك ثقافي إرشادي وتوعوي عن وبسبب الفيروس، شاهدناه في في النشرات التثقيفية والقصص القصيرة والإسكتشات التمثيلية والمسرحية التي تبث على التلفاز. لقد شهد العالم من قبل أوبئة وكوارث عظيمة وفي كافة الأزمنة، وتم توظيفها أدبيا بشكل واسع، مثل الطوفان، الطاعون الكوليرا، الزلازل وغيرها الكثير، لكنها لم تتحول الى فرع نوعي بالأدب عموماً. لذلك فيروس كورونا قد يتسلل الى كافة فنون الأدب لأنه حدث جلل وأثر على حياة الناس. لكن لا أعتقد أنه سيشكل ما يمكن تسميته إصطلاحاً «أدب كورونا».

- هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

كتبت بعض الإرشادات التوعويه والخواطر عن فيروس كورونا للإصدقاء والمتابعين على صفحتي على الفيسبوك. لكنها لم تدفعني لتوظيفها بعمل أدبي مثلاً. ربما يحدث ذلك بشكل تلقائي بالمستقبل، لا استطيع الجزم بذلك على وجه اليقين. ربما إذا امتد تأثير هذا الفيروس على الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للبشر وقام بتغييرها بشكل دراماتيكي الى الأبد، فقد لا يكون بالوسع التجاوز عنه في الأعمال الأدبية التي ترصد حياة الناس بشكل عام.