في ظل الإجراءات المشددة التي أعلنت مؤخرا في محاولة للحد من انتشار فايروس كورونا والتي تمثلت في تطبيق حظر تجول كامل في أراضي المملكة اعتبارا من ليلة الخميس ولمدة ٢٤ ساعة باستثناء الكوادر الطبية.

أكدت مصادر أمنية ضبط عضوين في البرلمان الأردني خرقا أوامر الحظر الشامل الجمعة بالعاصمة عمان، مما دعانا للتساؤل حول إمكانية إعمال الأحكام الدستورية المتعلقة بالحصانة البرلمانية التي أقرها الدستور الأردني على هذه الواقعة في ظل قانون الدفاع أم أن قانون الدفاع سيعطل أحكام الدستور ؟ وهل ستسعف الحصانة النيابية موقف النائبين اللذين خرقا حظر التجول الشامل ؟

بداية لا يمكن القول بأي حال من الأحوال بإمكانية تعطيل قانون الدفاع لأحكام الدستور وذلك لعدة أسباب اهمها أن الدستور هو رأس الهرم التشريعي فالتشريعات تتعدد وتتفاوت في أهميتها وقوتها كما هو معروف ومن ثم فإن الدستور هو أعلى التشريعات قوة ومكانة ويأتي في المرتبة الأولى بينها بالتالي لا يجوز لتشريع أخر مخالفته تحت طائلة البطلان وفِي حال تعارض أحكام الدستور مع ما ورد بأي تشريع أخر أدنى منه كما في قانون الدفاع فتطبق أحكام الدستور.

ثانيا:- يشمل قانون الدفاع وقف العمل بأي نص أو تشريع يخالف أي حكم من أحكام قانون الدفاع والأوامر الصادرة بمقتضاه ولا يشمل ذلك أحكام الدستور، وهذا ما يستخلص من نص المادة العاشرة من قانون الدفاع.

ثالثا :- الدستور هو من وضع الأساس الدستوري لمعالجة الظروف الاستثنائية ونظم شروط إعلان حالة الطوارئ وذلك بالمادة ١٢٤ التي تنص على أنه: إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع طوارئ فيصدر قانون بإسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية الي الشخص الذي يعينه القانون لاتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية بما في ذلك صلاحية وقف قوانين الدولة العادية لتأمين الدفاع عن الوطن ويكون قانون الدفاع نافذ المفعول ....." وبهذا يمكن القول أن قانون الدفاع ولد من رحم الدستور. فكيف لفرع ان يسمو على الاصل !

واستنادا لما سبق فإننا نرى بضرورة إعمال أحكام النص الدستوري المتمثل بالمادة ٨٦ من الدستور الأردني والتي نصت عَلى أنه :-"

١- لا يوقف أحد أعضاء مجلسي الأعيان والنواب ولا يحاكم خلال مدة اجتماع المجلس ما لم يصدر من المجلس الذي هو منتسب إليه قرار بالأكثرية المطلقة بوجود سبب كاف لتوقيفه أو لمحاكمته أو ما لم يقبض عليه في حالة التلبس بجريمة جنائية وفي حالة القبض عليه بهذه الصورة يجب إعلام المجلس بذلك فوراً

٢- إذا أوقف عضو لسبب ما خلال المدة التي لا يكون مجلس الأمة مجتمعاً فيها فعلى رئيس الوزراء أن يبلغ المجلس المنتسب إليه ذلك العضو عند اجتماعه الإجراءات المتخذة مشفوعة بالإيضاح .

وبذلك ووفقا لأحكام المادة المذكورة فإن النطاق الزمني لهذه الحصانة المقررة لأعضاء مجلس النواب تكون أثناء إنعقاد الدورات البرلمانية فتوقف الإجراءات الجنائية ضد النائب دون رفع الصفة الجرمية للفعل الجرمي المنسوب للعضو؛ فهي حصانة إمهال وليس إهمال .

بالتالي لا يجوز محاكمة العضو أو توقيفه إلا بموافقة المجلس وبالشروط الواردة بذات المادة. وبهذا الصدد يرى الفقيه الدستوري الأستاذ الدكتور ليث نصراوين أن "النائبين اللذين خرقا أوامر الدفاع بحاجة لرفع الحصانة عنهما كونهما يتمتعان بحصانة نيابية بسبب أن مجلس النواب في حالة انعقاد وذلك سندا لأحكام المادة ٨٦ من الدستور... وبأنه لا يمكن القول أنه ألقي القبض عليهما في حالة التلبس ذلك أنه يشترط لتجاوز الحصانة النيابية المقررة بموجب الدستور أن يكون الجرم المرتكب عند التلبس من نوع الجناية، ٣ سنوات فأكثر، في حين أن العقوبة المقررة على مخالفة أمر الدفاع بخصوص حظر التجول هي سنة واحدة فقط...فالتلبس في ارتكاب جنح لا يسقط الحصانة النيابية وهذا موقف بحاجة لاعادة النظر فيه في الدستور الأردني.... "

في حين يرى جانب من الفقه الدستوري أن النص الوارد بالمادة ٨٦ لم يحدد نوعا من الجرائم دون غيرها حيث أن عبارات النص جاءت بالمطلق بالتالي نستطيع القول أن النص يشمل جميع أنواع الجرائم سواء كانت جنايات أم جنح أم مخالفات طالما أن المطلق يجري على إطلاقه .

وَبما ان المشرع الدستوري منح أعضاء مجلس الأمة الولاية العامة في ممارسة الاختصاص التشريعي، وحق ممارسة مظاهر الرقابة السياسية على السلطة التنفيذية، وحق اثارة المسؤولية التضامنية أو الفردية للحكومة وفقا لنص المادة ٥١ من الدستور وحق إحالة الوزراء الي النيابة العامة وفقا لأحكام المادة ٥٦ من الدستور، وغيرها من الاختصاصات والصلاحيات التي تهدف لخلق بيئة ديمقراطية وخالية من مظاهر الفساد فيعد أمرا مستهجنا روية أعضاء مجلس النواب يخرقون حظر التجول ويخالفون قرارات استثنائية في ظل ازمة اسثنائية في حين ينبغي أن يكونو مثالا وقدوة لباقي الشعب في التزامهم وتقيدهم بما يصدر من أوامر وقرارات حكومية.

ومن ثم فإنه يتعين على كل مقيم وكل مواطن أردني مهما كانت صفته ومهما كان مركزه التقيد بكافة الأوامر والقرارات الصادرة عن الحكومة والانصياع التام لها حفاظا على أمن وسلامة هذا الوطن خصوصا في ظل هذه الظروف وإلا عرض نفسه للمسأئلة وللعقوبات الرادعه المقررة بقانون الدفاع فالكل امام القانون سواء.

ومن هنا نرى بضرورة تطبيق أحكام الدستور برفع الحصانة النيابية وفرض العقوبات المقررة قانونيا بحق النائبين تحقيقا للردع العام والخاص وتحقيقا للغاية التي أصدر لأجلها قانون الدفاع والمتمثلة بحفظ أمن وسلامة وأستقرار حال البلاد، وإعمالا لسيادة القانون التي تمثل المظلة التي تحمي مسيرة العدالة وتطبيقا لما تم تأكيده من قبل جلالة الملك عبد الله الثاني -حفظه الله -بالورقة النقاشية السادسة والتي يتوجب أن تكون خارطة طريق لمستقبل الأردن والأردنيين في شتى مناحي الحياة عامة وتشريعيا وقضائيا خاصة.