«كل منّا يصل إلى الهبات التي يتوجب علينا تقديمها، عبر سلسلة لامتناهية من التأثيرات والحظوظ التي ليس بوسعنا فهمها بالكامل. وإضافة إلى الأصول التي أغدقتها الحياة علي، لديّ أموال طائلة للتبرع بها، وسيظل مسعاي لعمل الخير معتمداً على التفكير. وسيستغرق وقتاً وجهداً ورعاية، ولكنني لن أنتظر».. هذه فقرة من رسالة كتبتها «ماكنزي بيزوس» زوجة أغنى رجل في العالم جيف بيزوس، أعلنت فيها عن التبرع بنصف ثروتها البالغة 37 مليار دولار لجمعية خيرية.

بيل غيتس وزوجته ميلندا تبرعا بـ 37 مليار دولار إضافة للملياردير وارن بافت الذي تبرع بثلاثين مليار دولار لصالح جميعة بيل غيتس للأعمال الخيرية، مستهدفين نشاطات لمواجهة الفقر والأمراض المستعصية والتعليم، وهذان السيدان والسيدتان قدموا المليارات التي كسبوها عن طريق جهودهم لسنوات طويلة في صناعة التكنولوجيا التي خدمت العالم، لا عن طريق العطاءات الحكومية وإنشاء البنوك الكبرى، وهذه مقدمة توضيحية ليس إلا.

هنا لا أجدها فرصة مواتية للحديث عن الاختباء خلف أرقام مالية يعجز فقراء البلد عن التفكير بها أصلاً فكيف بهم يتخيلون عدّ ملايين ومليارات الدنانير والدولارات، ولكل إنسان حظه مما رزق الله، ولكن هناك طيفاً يشبه قوس قزح من كبار أثرياء بلدنا، يزين الأجواء في كبد السماء حين ترخي الشمس أشعتها عبر رذاذ المطر، ذلك الطيف الذي يشعر به الناس ولا يرونهم هم من طبقة يشكلون أقل من خمسة بالمئة من التعداد البشري الأردني، يمتلكون مالية تعادل 75 بالمئة من الرصيد النقدي على الأقل لعامة المواطنين، فلماذا لا تخرج الأموال في سبيل دعم عجلة الاقتصاد بدل تكدسها؟

ليس لنا سلطان لنحاسب الناس ولا نحسدهم، ولكن علينا بمن ينام على الحرير وهو يعلم أن هناك غالبية تنام على الحصير، فالعاملون بالقطعة أو المياومة باتوا كمن ينام في العرّاء عارياً،وإذا كان الوطن يحتاج لجهود جبارة تبذل من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وجيش من الموظفين والطواقم الطبية للمساعدة في بقاء البيئة الصحية نظيفة والحفاظ على صحة ملايين المواطنين، فإن كثيرا ممن نعرفهم ومن لا نعرفهم من أثرياء البلد لا يخرجون من بيوتهم خوفا من الإصابة،ولا يزاحمون مئات المواطنين الذين يتسابقون على طوابير الخبز والمواد التموينية مخاطرين بصحتهم، بل إن هناك من يسيء للوطن بتبرعاتهم الرمزية،ولو لم يفعلوا لكان خيرا لنا.

من هنا علينا أن نطالب فريق الحكومة الذي يبذل جهدا استثنائيا لتوفير الأموال لدعم استمرار المالية العامة،أن يصدروا قرارا بإعفاءات ضريبية على صغار المكلفين،وإعفاءات من أمانة عمان لضريبة المسقفات والمعارف في ظل التعطل العام،وإعفاء رسوم التعاملات الإلكترونية الحكومية،و تخفيض نسب الفوائد على القروض الشخصية وإعادة جدولتها،ومنح حوافز تشجيعية للمكلفين من كبريات الشركات،وخفض تسعيرة الكهرباء والمشتقات النفطية ورفع الضريبة عن المنتجات الزراعية، والإيعاز للمدارس والجامعات الخاصة بتخفيض رسومها عن الطلبة الذين فقدوا فصلا كاملا بالتأكيد،وغيرها من الحوافز الاحتوائية.

نعلم كم سيكون صعباً الوفاء بالالتزامات المقبلة،وكنت يوماً عند وزير المالية د. محمد العسعس في بداية الأزمة وهو يتواصل مع وزير الصحة والوزراء المعنيين وكيف قدم تسهيلات مالية مستقلة لمواجهة الظرف المتأزم، ولم نرّ دعماً سوى ما قرره صندوق النقد الدولي الذي سيحاسبنا عليه بالتأكيد، ولكن في هذا المأزق الذي نمر به لا بد من أن تخرج مليارات الدنانير من مخابئها في صناديق البنوك وأن نوزع الأوسمة ونكتب بأحرف الذهب لأسماء لم نسمع لها صوتاً، وقد قدمت لهم الحكومات البلد على طبق من ذهب لمشاريعهم وعطاءاتهم وتدفقاتهم المالية الخارجية والداخلية.

Royal430@hotmail.com