ليس ثمة وقت مناسب بل فرصة سانحة الآن للبدء بترميم العلاقات العربية العربية، بعد أن ثبت لمن يمتلك بصيرة وبُعد النظر أن عالماً جديداً قيد التشكّل والبروز، بعد أن «فضحت» جائحة كورونا التي ما تزال تعصف بدول وشعوب تعيش فوق هذه المعمورة، فضحت كل التكتلات والتحالفات والاصطفافات التي كانت – وما تزال حتى اللحظة – قائمة، قبل تحدّي كورونا سواء في بُعدها الدولي ام ذاك الاقليمي،وخصوصاً تلك التي قامت على خطاب مزوّر يدّعي التكامل ويتشدّق بالتضامن، فإذا بكل ذلك يتكشّف أوهاماً وخزعبلات، وراحت كل دولة تلوذ بنفسها، تغلق حدودها وتهتّم بداخلها وتتنكّر – وبشكل مُعلن – لكل ارتباطاتها وتلك المواثيق والعهود ومذكرات التفاهم التي وقّعتها، على النحو الذي رأيناه تحديداً في علاقات دول الاتحاد الاوروبي وبين الأخيرة وواشنطن, وكيف رفعت معظم دولها شعار «أنا أولاً»، ما أدّى ضمن أمور اخرى الى ارتفاع شعار «يا وَحدَنا» وقالت كل دولة: «إذا لم أكن لنفسي فلمن أكون؟».

يحضر في الأثناء وعلى نحو مُلّح المشهد العربي, الذي لا يستطيع أحد إنكار حقيقة انه مشهد «مُتميِّز» بانقساماته وعداواته وتمزّق عراه وانسداد مُفتعَل في آفاق التجسير على الخلافات، التي تبدو في معظمها تصفية حسابات شخصية وكيد سياسي, تغذيه عقلية الثأر ومحاولات العبث غير المُجدي، في موازين قوى ذات أبعاد تاريخية وجيوسياسية لا تنفع معها محاولات الإستعانة بالأعداء او التقرب منهم والإلتحاق بهم، بالضد من حقائق التاريخ وديكتاتورية الجغرافية وخصوصاً في التقاء المصالح العُليا بين الشعوب العربية ودولها.

الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى، وبعيداً عن التنظير او محاولات الطمس على ما اعترى ويعتري المشهد العربي الراهن من تناقضات واختلافات في القراءات والرؤى، لإعادة النظر والقراءة في مرحلة قبل كورونا, وخصوصاً ما آلت اليه «سياسات» معظم الانظمة العربية في علاقاتها «البينية» والتدقيق في موازين الربح والخسارة التي عادت بها تلك السياسات إلى هذا النظام العربي او ذاك, ليكتشف الجميع ان لا احد خرج رابحاً وان الخسائر – بهذه الدرجة او تلك – قد لحقت بالجميع دون ان تعود بالنفع على أحد، وكانت الشعوب واقتصادات الدول هي الخاسر الاكبر في بناه التحتية كما الخدمات والمرافق العامة ومستوى المعيشة، على النحو الذي تكشّف في «قصور» معظم العرب عن تلبية الحدود الدُنيا الضرورية للتصدي لجائحة كورونا.

تأجيل قمة الجزائر الدورية الذي جاء على خلفية كورونا (وفق ما هو مُعلن على الاقل) يمكن تحويله إلى فرصة، لإعداد جدول أعمال «مُختلف» لقمة منتظرة بعد انتصار دول العالم على كورونا، للتأسيس لمشهد عربي جديد يطوي صفحة التمزّق ووقف مسيرة الانحدار والانحطاط العربية التي وَسمَت العشرية الثانية من القرن الحالي، وهي فرصة يمكن لحكماء العرب – على قِلّتهم – التقاطها وعدم السماح بتفويتها، لأن إضاعتها ستكون قفزة مُروّعة في الفراغ، وأقرب إلى الانتحار منها إلى أي شيء آخر.

kharroub@jpf.com.jo