كتب - يزيد كنعان

يعيش العالم مرحلة صعبة من شأنها إحداث تغير شامل في مختلف مناحي الحياة، إذ أحدثت أزمة تفشي فيروس كورونا اختلالات في موازين الدول على المدى البعيد، فها هي الولايات المتحدة الأميركية، الدولة العظمى، ترزح تحت وطأة تفشي الفيروس، وسط استسلام الإدارة الأميركية أمام مواجهة هذا الوباء، جنباً إلى جنب مع تخوفها من انهيار اقتصاد البلاد.

وما قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن «فرض حجر صحي على نيويورك ليس ضرورياً»، ووصف حاكم الولاية لهذا الإجراء بأنه «مناف للعقل»، إلا مؤشر على حالة هلع عالمية.

وبرزت هذه الحالة أيضاً في معظم دول الاتحاد الأوروبي، التي شهدت تدهوراً صحياً واقتصادياً جراء تفشي الوباء، ما يؤكد حدوث انقلاب في موازين تلك الدول اجتماعياً وصحياً واقتصادياً.

إن الخارطة العالمية اليوم تدلل بكل وضوح على أن العالم يسير نحو تغير شامل في المستقبل، قد يصل حد تفكك الاتحادات العالمية، وظهور نظام الدولة الواحدة الأكثر قوة، استناداً إلى ما سيلحقه هذا الوباء من خسائر مادية وبشرية، فأزمة كورونا هي الشغل الشاغل للساسة ورجال المال والأعمال والعلماء ومراكز الأبحاث والأطباء والشعوب على حد سواء، وسط إجراءات وتدابير إحترازية لمواجهته تفاوتت من دولة إلى أخرى، حسب قدرتها الاقتصادية والصحية على التحمل، جنباً إلى جنب مع قدرة شعوبها على الالتزام بالتعليمات الصادرة منعاً لتفشي الفيروس «مجهول المصدر»، وسط تراشق الاتهامات بين الصين والولايات المتحدة على تصديره لمآرب سياسية واقتصادية.

والمراقب للواقع الراهن، يتأمل مشاهد غريبة لم تكن تخطر في بال بشر.. فالعالم خاو على عروشه، وكل دولة تقبع ضمن إطار حدودها الجغرافية، لا بل كل أسرة تقبع بين جدران منزلها خوفاً من العدوى.. الطائرات جاثية على أرض مطارات العالم.. المساجد والكنائس خاوية من المصلين.. صحن الكعبة المشرفة خال من الطائفين.. المدارس والجامعات خالية من طلبة العلم، وغيرها الكثير من المشاهد النادرة الحدوث.

كل ذلك سينجم عنه خسائر وأضرار اقتصادية من شأنها إحداث تغيير شامل في النظام العالمي، وملامح مستقبل الشعوب، مثلما نجم عنه تغير مفاجئ في تلك الدول إبان الأزمة.

وفي الدول العربية، كان انتشار فيروس كورونا بنسب أقل، رغم أنها تفاوتت بين دولة وأخرى، لكن تداعيات الأزمة العالمية انعكست على الاقتصاد العربي أيضًا بفعل الإجراءات الاحترازية التي قيدت معظم القطاعات، وأسفرت عن تدهور أسواق المال والنفط العربية والعالمية.

أما الأردن، فكان سباقاً في إجراءاته لكثير من دول العالم في مواجهة تفشي الفيروس، رغم أنه دولة محدودة الموارد، لكنه أظهر قوة من حيث القدرات البشرية في التخطيط والإدارة والطب، ووعياً إعلامياً ساهم في الحد من انتشار الإشاعة، وعزز الدور التوعوي والتثقيفي لمنع انتشار الوباء، مصحوباَ بمبادرات شعبية كان لها أكبر الأثر في تعزيز التكافل الاجتماعي والتلاحم الوطني.

ورغم ما شاب العلاقة بين المواطن والحكومات المتعاقبة في المملكة من حالة انعدام الثقة في حقبة سابقة، جراء استشراء الفساد والمحسوبية وغلاء الأسعار لظروف اقتصادية صعبة مرت بها المملكة، إلا أن أزمة كورونا كانت بمثابة الفرصة التي استثمرتها حكومة الدكتور عمر الرزاز لإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين الشعب، جنباً إلى جنب مع التقدير الكبير لجهود القوات المسلحة التي لم تكن يوماً إلا قريبة من وجدان كل مواطن على هذه الأرض المباركة، والأجهزة الأمنية الساهرة على أمن الوطن واستقراره.

وما العمل بقانون الدفاع إلا لحماية الوطن وسلامة أبناء شعبه، التي لطالما كانت أولوية القيادة الهاشمية الحكيمة، ومن هذا المنطلق جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني المتلفز مؤخراً، حيث قال جلالته: «في هذه الأيام، يمر وطننا مثل باقي العالم بظروف استثنائية صعبة، تستدعي إجراءات والتزاماً وتعاوناً استثنائياً».

وتابع جلالته: «أطلب منكم بخطاب الأب لأبنائه، عدم التنقل والالتزام بالتعليمات الرسمية، فلنرتق بمسؤولية حماية الوطن الذي نحب».

غير أن التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا ستكون وخيمة على العالم بأسره، والأردن كجزء من العالم، لن يسلم منها، ما يفرض على الحكومة في المستقبل القريب تحدياً جديداً، يتمثل في سبل الخروج من هذه التداعيات بالشكل الأمثل وبأقل الخسائر.

لقد أصبح لزاماً على الحكومة إعادة النظر بتصوراتها للمستقبل الجديد المرتقب، لتتمكن من مواكبة ما سيطرأ على العالم من تغيرات في ظل بحث الدول العظمى والمتقدمة حالياً عن سبل وتقنيات للبقاء والتعايش والعمل أكثر أماناً من تلك التي ثبت فشلها إبان أزمة كورونا.. فهذا أمر بديهي إذا ما علمنا أن الحاجة أم الاختراع.

وعليه، فإن الحاجة ملحة اليوم لإعادة تقييم نجاعة الحكومة الالكترونية في المملكة وأتمتة القطاعات كافة، وتقييم جدوى تلك المؤتمتة سابقاً، كمنظومة التعلم عن بعد، لضمان جودة مخرجاتها، مع التركيز على مواصلة النهوض بالقطاع الصحي وتعزيز إمكانياته وتحديث أدواته لضمان استدامته.

كما يجب البحث عن حلول اقتصادية مستقبلية لضمان صمود الدولة، وسط الحديث عن نظام اقتصادي أخلاقي، بعد أن فقد المال قيمته لعجزه عن صون حياة البشر، فعلى الأردن أن يثبت قوته المستمدة من أبناء شعبه، وهذه دعوة للتلاحم الوطني، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة، من خلال تعزيز مبادرات صناديق التبرعات، وتوجيه حصيلتها للنهوض بكافة شرائح الوطن وقطاعاته بعدالة، على أن ترفد هذه الصناديق بتبرعات المستثمرين ورجال الأعمال الذين استفادوا لسنوات من التسهيلات التي تمنحها لهم الدولة، وسط تسجيل ملاحظات شعبية عبر منصات التواصل الاجتماعي عن غياب بعض هؤلاء، لا بل أغلبهم خلال الأزمة الراهنة.

كما أن على المسؤولين في هذه الفترة أن يترجموا حس المسؤولية، فعلاً لا قولاً، عن طريق التبرع بسخاء لهذه الصناديق ليكونوا قدوة حسنة للمواطن داخل المملكة وخارجها.

وإذا ما علمنا أن ما يقرب من 25 مليون فرصة عمل يمكن أن تُفقد في جميع أنحاء العالم نتيجة الوباء، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية، فإن الحاجة ملحة لدعم المشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والقطاعات التجارية والصناعية والزراعية، ومنحها مزيداً من التسهيلات لتعزيز صمودها مستقبلاً بمعزل عن اللجوء لتسريح موظفيها، مع ضرورة إعادة تدوير قطاع المال والأعمال، بحيث تسهم البنوك في بث الروح بالقطاعات الإنتاجية المختلفة عبر منح تسهيلات أكثر مرونة، وإعادة النظر بأسعار الفائدة للقروض السابقة، وعكسها على الأقساط الشهرية للمدينين انخفاضاً.

وفي الختام، ينبغي أن يكون تقييم نجاح الأردن في مواجهة أزمة كورونا غير مرتبط بعدد الوفيات والإصابات فحسب، بل لا بد أن يكون التقييم شاملاً، ومرتبطاً بشكل وثيق بقدرة الدولة على الاستمرار مستقبلاً في نهجها المحلي ومحيطها العربي والعالمي، ما يفرض لزاماً وضع استراتيجية وطنية، تبنى على أساس مفهوم الأمن الشامل، قوامها الاستفاة من حاجة الدول للكوادر البشرية الأردنية بعد أن أثبتت كفاءتها، واستقطاب استثمارات جديدة إلى المملكة لشمولية مزاياها الآمنة.