عمان - رهام فاخوري

كشف حظر التجول كثيراً من العادات الطيبة التي أفقدنا إياها نمط الحياة السريع وعصر العولمة اللذين فرضا نفسيهما علينا في العقود الاخيرة، لكنها عادت لتطفو على السطح؛ مثل «الجار للجار» وغيرها من العادات التي تدل على أن مجتمعنا ما يزال يحمل في طيات ثقافته الطيبة والكرم والشهامة.

يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور رامي الحباشنة إن كل أزمة تحمل في ثناياها شيئا من الإيجابية مع ظواهرها السلبية، إضافة إلى وظائف غير مباشرة تؤديها التغيرات الاجتماعية التي تطرأ على المجتمع والوعي الجمعي لأفراده خلال التصدي لمواجهة أزمة ما.

مشاهدات وقصص انسانية بامتياز عكست طيبة الأردنيين وتكافلهم وهم يتعاضدون في مواجهة وباء كورونا.. فترى أم فؤاد (والدة لثلاثة أطفال)، تهرع لمساعدة جارتها المسنة التي تقطن في نفس العمارة وليس فقط لتسأل عن حالها وإنما لتؤمن لها كل ما تحتاجه دون مقابل.

والعديد من القصص؛ منها: رجل الأمن الذي ساعد امرأة مسنّة في شراء بضائع وخضروات وقام بحملها عنها، كما ودفع ثمنها من جيبه لصاحب المتجر قائلا «حسابك واصل يا حجة»، وهناك الكثير من تلك القصص التي شاهدها مواطنون إما بأعينهم أو عبر العديد من مقاطع الفيديو، أو سمعوها من معارف وجيران وأقارب لهم، تؤكد جميعها بروز تلك العادات والسلوكيات الإيجابية.

ويرى الحباشنة أننا على هذا الصعيد نجد أن ما يحصل الآن خلال الأزمة المتعلقة بفيروس كورونا «قد تطلب تقدما للعقل الجمعي على العقل الفردي؛ بمعنى أن الوعي الفردي وحده لم يعد كافيا، بل يجب توجيه المجموع باتجاه واحد يضمن الوقاية والابتعاد عن الساحبات باتجاه تفشي المرض».

ورغم ما شاهدناه من تزاحم على الخبز خلال اليوم الأول على حافلات وسيارات توزيع الخبز في عمان والمحافظات، إلا أن ذلك لم يوقف أبو محمد عن أن يقدم لجاره عدة أرغفة ليتمكن جاره من إطعام أطفاله.

ويقول الحباشنة: «بسبب الحظر كان لزاما على هذا المجموع التخلي عن بعض السلوكيات التي كانت منتشرة سابقا والتي قد تسبب ضعفا للمناعة الاجتماعية في مواجهة المرض، وكذلك ضرورة إنعاش كثير من القيم والسلوكيات التي كادت أن تختفي بسبب طغيان القيم الفردية والنظرة الأنانية والبحث عن المصلحة الذاتية».

ويوضح أن ذلك قد اعتمد على شعور الضمير الجمعي باقتراب انتشار خطر سيؤدي إلى إيذاء أعداد كبيرة ضمن المجتمع ما لم يتم التكافل والتنسيق المباشر وغير المباشر بين أفراده، خصوصا من حيث التشاركية والانضباط والإحساس مع الآخرين.

ويمكن القول أن المجتمع الأردني ما يزال في طور الصدمة أمام حدث بهذا الحجم، وأن إحياء قيم التفاعل والتكاتف ما تزال تنمو تدريجيا، إذ بدأنا نقرأ ونسمع عن مبادرات اجتماعية تتلاشى ضمنها المصالح الشخصية ويقدِّم أصحابها مصالح وحاجات الفئات المعرضة للخطر مثل كبار السن والأطفال على أي مصلحة فردية.

وهذا تغير آلي يتم داخل المجتمع؛ حيث يبحث عن حماية نفسه من خلال التلاحم لتكوين مناعة لا ينفذ من خلالها سلوكيات قد تؤدي إلى تشكيل خطر يهدد حياة الأفراد فيه. ومن هنا رأينا كثيرا من السلوكيات التي ظننا بأنها انتهت وكادت تأفل لصالح القيم المادية والنفعية التي ضخمت الأنا الفردية على حساب مصالح الجماعة.

ويمكن الإشارة إلى أن المجتمع يعاود خلال أي أزمة إظهار تلك الرغبة بالإيثار والتضامن كما رأينا في عديد من الفيديوهات المنتشرة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، والاهتمام برعاية كبار السن ومد يد العون للفئات الضعيفة بتوزيع الخبز والضروريات مجانا في كثير من المناطق.

حتى أن كثيرا من التجار قدموا تبرعات ودعموا العائلات المستورة باحتياجاتها على شكل طرود بلا مقابل، وتنازل كثير من المؤجرين عن إيجار شهر إلى عدة شهور للمستأجرين شعورا معهم وليغطوا احتياجاتهم.