... في أزمة الكورونا، لم يخرج المزارع إلى الدوار الثالث، لم يعترض.. لم يقم باعتصامات حادة وينثر خضاره على الطريق، ولم يقم بقطع الشوارع.. بالرغم من أن الإنتاج تكدس لديه لكنه كان بحجم الوفاء للأرض، وبحجم الوفاء للوطن.

ثمة حوار اندلع بين الوزارة ذاتها وبين المزارعين، ولم يكن حوارا في المكاتب الوثيرة.. ولا خلف الطاولات المغطاة (بالفورمايكا)... كان حوارا في الميدان، وذهب الوزير إليهم في مزارعهم، وأسواقهم المركزية.. والحقيقة أنهم استجابوا أكثر من كل القطاعات، لأن الذي يعمل في الأرض، يدرك أن الأرض تعني الكرامة.. وأن الكرامة تعني التضحية لأجل البلد.. لهذا نجحت عملية توريد الخضار والدواجن للأسواق، وتم استيعاب المشهد تماماً.. على قاعدة بسيطة وهي: أن (بكسة) البندورة لا تحتاج لتطبيقات ذكية، بل تحتاج لمن يفهم عرق المزارع حين يغرس أشتالاها في الأرض، والدواجن هي الأخرى لا تحتاج.. لـ (كونفرنس) عبر (سكايب).. بل تحتاج لمن يفهم، غضب مربي الدواجن الذي يتعامل مع كائن حي.. له عمر افتراضي، ويحتاج لمستلزمات.. وإذا لم يورد للسوق يصبح (جيفة) وبالتالي سيشكل عبئا عليه.

أزمة الزراعة في الأردن هي أزمة فهم نفسية الناس، وإيجاد الحلول.. وأزمة من يملك ناصية الحوار ومن لايملكها، وهي مرتبطة حتما بالهوية..فالأردن مهما أدخلنا إليه من حواسيب ونظم.. ومهما مارس (عجايز) الاقتصادر تنظيراً على شاشاتنا، إلا أنه يبقى وطنا بهوية زراعية.. وكنا دوما نقولها، أن الزراعة هي مفتاح الاقتصاد.. وهي هوية الدولة والأرض والناس.

منذ سنوات طويلة وأنا أتبادل مع وزير الزراعة، مقالات عن التراب.. وعن الجنوب والطريق الصحراوي، والزيتون في الطفيلة... ونقرأ الطيب صالح (موسم الهجرة للشمال) ونقرأ البدوي الملثم، وأنا مؤمن أن هذا الرجل.. لم يأت للوزارة في إطار حسابات الجغرافيا ولا في إطار حسابات.. الصداقة، بل جاء على قاعدة الولاء لمطلق للأرض، وعلى قاعدة فهم المزارع والإحساس بأوجاعه.. الطفيلة بحجم ما أنتجت من عسكر وموظفين ووزراء وساسة.. لكنها بذات الوقت هي المحافظة الوحيدة في الأردن التي أنتجت عشاقاً للأرض، تينها وعنبها هو الأعذب في الأردن.. لأنه لايغرس في التراب كواجب، بل يغرس عشقا للتراب..

أجزم أن ما فعله إبراهيم الشحاحدة، لم يكن في إطار (الشو أوف) هو لم يظهر على التلفاز كثيراً، ولكن ما فعله هو الدفاع.. عن هوية البلد، والدفاع عن عرق المزارعين الصادق..

في الإعلام تصلنا أشياء كثيرة، تصلنا حوارات مركز الأزمات.. وتصلنا أخبار خلية الأزمة.. تصلنا تفاصيل دقيقة جداً.. ونعرف من هم الناس الذين يمتلكون شجاعة الإفصاح بالحقيقة ونعرف في ذات الوقت من هم الناس.. الذين يمتلكون دهاء طي الحقيقة وكتمانها.

المنصب ليس خالداً، وربما بعد وقت سيعود الشحاحدة إلى منزله، سيعود ليقرأ البدوي الملثم من جديد، ويأكل من تين الطفيلة وعنبها، وربما.. يقلب بعض الدفاتر التي كتب فيها بعض الأبيات لعرار، وبعض القصائد النبطية التي لم ترحل من ذاكرتنا... لكن يسجل له أنه كان في الأزمة (زلمة).. ودافع عن قطاع، حاولوا تجاوزه.. ولكن الهوية لا تهمش أبداً.. ولا يتجاوز عنها.

abdelhadi18@yahoo.com