لحسن الحظ فإن الأردن بات واحدا من أفضل الدول التي تواجه خطر الانتشار السريع لفيروس كورونا، ولكن هل سنرّكن إلى هذه المقولة والمعطيات التي نراها حول العالم تشي بتفجر الأوضاع بشكل عنيف خصوصاً في الدول التي نصنفها على أنها الأولى عالمياً، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا والمانيا فضلاً عن كارثة إيطاليا، ما يعني أننا أمام تحدٍ قد نتجاوزه خلال أسبوعين فقط أو قد نضطر إلى الكفاح لأشهر قادمة، كل ذلك حسب معطيات الوضع الوقائي الذي يلعب المواطن فيه الدور الأساس، ورغم عزل مدينة إربد الشمّاء ومناطقها حماية لأكثر من ثلاثة ملايين مواطن، فإننا لا نراهن على تفجر الوضع في محافظات أخرى.

اليوم تلعب التكنولوجيا الرقمية دوراً كبيراً في مساعدة المسؤولين الطبيين لرصد بؤر الإصابات وسرعة الاستجابة لعلاجها مبكراً، ولكن مع هذا فإن العديد من المصابين قد يكونون اختلطوا مع كثير من المواطنين بشكل لصيق أو عابر، وهذا يدعم فرضية «الانتقال الصامت» للفيروس بين شخصين لا يعلمان عن إصابتهما، وبالتالي سنواجه متوالية الانتقال دون أن نعلم، فما هو الحلّ غير الحظر والعزل والفحص المباشر الذي سيكلفنا وقتاً طويلاً وإجراءات معقدة وأموالاً باهضة، ومن هنا تبرز الحاجة الاستثنائية لكسر القواعد الخصوصية للمساعدة برصد الانتقال الصامت للفيروس.

هنا سأسقط نظرية التآمر تماماً من حساباتنا وسنقدم مصلحة العامة على الخاصة، فمن المؤكد أننا نمتلك آلية تكنولوجية لرصد آلاف الهواتف الذكية للمصابين على الأقل ممن تحركوا قبل اكتشاف إصابتهم، ومع من تواصلوا، وأين تنقلوا، وجمع معلومات لا تتعلق بالخصوصية الشخصية بل بمؤشرات التواصل البشري بين المرضى والأصحاء، وهذا يعطي السلطات الصحية كمّا كبيراً من المعلومات عن البؤر الساخنة وعن مدى الانتقال الفيروسي المفترض بين المدن والأحياء وحتى المنازل، والنتيجة هي وضع تصور شبه دقيق لمدى ومسار انتشار العدوى، وهذا بالطبع يجب أن يكون محصورا بخلية عالية الكفاءة والأمانة والسرية.

من يفكر في وضعنا الاقتصادي والاجتماعي يجد أن هناك «بركة خاصة» هبطت علينا مع غيمة كورونا، فإذا كانت الحكومة قد وفرت، حتى الآن، ما يكفي من بيئة علاجية واحترازية لآلاف الأشخاص ما بين الحجز التحفظي والحجر الصحي في فنادق فخمة ومستشفيات حكومية، فإنه لا بد وأن يخالنا الشك في مدى استمرارية القدرة على الحفاظ بنفس الوتيرة أو أفضل في قادم الأيام، فاغلبية الشعب من المتوكلين على الله مالياً، والقليل من الأثرياء لم نسمع لهم صوتاً، وبينهما عدد ممن قدموا استطاعتهم مشكورين، ولكن الحلّ احياناً لا يكون مالياً بل بالقدرة الإجرائية على بناء سدود مانعة لتفشي العدوى.

مع الإعلان عن وفاة أول مصابة مزدوجة بالكورونا وتسمم الدم لجدة مسنّة، ينطلق الإنذار باللون الأحمر، ما يستدعي عزل مناطق أخرى أو أجزاء منها، وهذا يعيدنا إلى المقترح أعلاه، بسرعة إجراءات التتبع عبر هواتف المصابين بالتعاون مع شركات الإتصالات، وهو إجراء مغطى بقانون الدفاع، وهدفه فقط ملاحقة مسار الفيروس ولفترة محددة، وجمع غيمة كبيرة من معلومات الحركة، ما يسرّع إجراءات الوصول للمناطق أو الأشخاص المفترضين، وهذا ما حدث في الصين مثلاً ولكن عن طريق عشرات ملايين الكاميرات في الشوارع والأماكن.

نحن اليوم في معركة لحماية ملايين المواطنين وحماية اقتصادنا وعلينا الاستعداد والخضوع الإرادي لا معاندة السلطات، فلا خصوصية مع تفشي المرض فما نخبؤه اليوم سيفتضح غداً.

Royal430@hotmail.com