لست مدخناً، ولا متعاطفا مع المدخنين، ولا أمانع في تنظيم حملة لمحاربة التدخين. ولولا الخشية من أن تؤدي عملية رفع الرسوم والضرائب على السجائر إلى تشجيع عملية التهريب، لطالبت بمضاعفة تلك الرسوم ورفد الخزينة بمبالغ تسد عجز الموازنة.

ومن المحطات البارزة التي أعتد بها في حياتي أنني نجحت في الإقلاع عن التدخين قبل ربع قرن من الزمان، بعد تدخين «شره» استمر ربع قرن كاملاً، وبحد أدنى وصل إلى ثمانين سيجارة يومياً.

ولي مع التدخين تاريخ مؤلم، أبسط فصوله أنني بلغت حالة صحية سيئة، تمثلت بعدم القدرة على صعود أكثر من ثلاث درجات دون فترة استراحة. لكنني والحمد لله، عدت إلى ممارسة نشاطي الطبيعي بما في ذلك الرياضة، بعد أن أقلعت عنه، وبعد أن نجحت في تأهيل نفسي وجسدي لمرحلة جديدة أحسست خلالها بأنني كمن عاد إلى الحياة من جديد.

ومن هنا فإنني أنظر إلى قضية السجائر حالياً من زاوية احتكارية، يتوجب على الحكومة مراعاتها، والعمل على ضرب أركانها، ومكافحتهم تماماً كما تكافح «الكورونا». وليس كما يدعو أحد النواب صراحة بالإفراج عن أحد حيتان قضية الدخان الشهيرة، كمتطلب لحل الأزمة القائمة المتمثلة بالحالة الاحتكارية غير المسبوقة.

فمع التفريق في الأهمية بين الغذاء وأية سلعة أخرى، والتأكيد على إعطاء الأغذية وأساسيات الحياة الأولوية في الاهتمام الحكومي، بدءاً من تأمين انسيابها إلى الأسواق، ومن ثم تحديد السقوف السعرية لها، والسماح بفتح المحلات التجارية ضمن فترات مناسبة لتمكين المستهلكين من الحصول على احتياجاتهم، وضرب أية احتكارات تتعلق بها، فمن غير المقبول ترك المدخنين نهبا لأبطال السوق السوداء، الذين طوروا من احتكاراتهم برفع أسعار علبة السجائر بأكثر من سبعين بالمئة. ونشروا أرقام هواتفهم ضمن منظومة ضيقة، توفر لهم الحماية وتجلب لهم الزبائن.

يقول بعض الشاكين من تلك الحالة أنهم يستهلكون نوعاً من السجائر لا أعرفه يبلغ سعر العلبة منه قبل الأزمة الأخيرة دينارين. وأصبحوا مضطرين لدفع ثمن العلبة منه» ثلاثة دنانير وسبعين قرشا». مع توفير خدمة التوصيل.

أما أصحاب المحلات التجارية البقالات فيؤكدون أن الوكلاء الكبار لا يوزعون السجائر، بحجة أنه لم يسمح لهم بتقديم تلك الخدمة. ويعتقدون أن البعض من هؤلاء الوكلاء يقومون بتسريب كميات من المتوفر في مستودعاتهم إلى السوق السوداء، بينما تنشط عمليات التهريب لتغطية باقي متطلبات المدخنين بأسعار خيالية، الأمر الذي يضع المدخنين تحت رحمة أبطال السوق السوداء، الذين يجنون أرباحا خيالية ويسهمون في خسارة الخزينة لمبالغ هي بأمس الحاجة لها.

نعلم أن الحكومة أعطت الأولوية في تيسير الأمور بحدها الأدنى لمتطلبات الإعاشة للمستهلكين. ثم توسعت تدريجيا في فتح القنوات لانسياب السلع. وقامت بجهد مشكور في هذا المجال. لكننا نرى الآن أن ضرب هذه الاحتكارات وإقفال بوابات الأسواق» قاتمة السواد» أصبح ضرورياً وأن السماح بانسياب السجائر أمر ممكن ولا يجوز إغفاله.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com