د.عيسى أبودية - أخصائي علم المناعة



إنه ليس بسحر أو خرق علمي جديد، إنه عودة لدروس الماضي حين اكتشف العالم الألماني إميل فون بهرنج قبل أكثر من مئة وثلاثين عاماً أن أمصال المتعافين من مرض الدفثيريا يمكن لها أن تساهم في حماية أو شفاء آخرين مصابين بالمرض نفسه، وتسمى هذه الخاصية العلاج السلبي باستخدام الأجسام المضادة (Passive antibody therapy).

فكيف يمكن الاستفادة من هذه الخاصية؟ لقد وافقت منظمة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، وابتداء من الأسبوع القادم، لعدد من المستشفيات في ولاية نيويورك الأميركية على استخدام هذا الأسلوب العلاجي للحد من أعداد الحالات الحرجة للكورونا المستجدة التي تثقل كاهل المنظومة الصحية العالمية برمتها وتملأ غرف المستشفيات ووحدات العناية المركزة وتستنزف أجهزتها وأدويتها وكوادرها الطبية، كما رأينا الحال في دول كثيرة مثل إيطاليا وإسبانيا.

ومن المهم القول بأن العلاج السلبي باستخدام الأجسام المضادة كان قد حقق نجاحات في جائحات سابقة مثل مرضي السارس والإيبولا. والهدف الآن تحقيق نتائج مشابهة مع فيروس الكورونا، بل نتائج أفضل في حال تم التركيز على اختيار المرضى الذين قامت خلايا المناعة لديهم بتصنيع كميات كبيرة من الأجسام المضادة، الأمر الذي يحقق أكبر فائدة علاجية لدى متلقي البلازما.

ومن أبرز ميزات هذه الوسيلة العلاجية أن استخلاص البلازما أمر يسير وشائع التطبيق ولا يتطلب الكثير من الوقت والجهد والمال كما هو حال العلاجات والمطاعيم المعمول على تطويرها حالياً، فالأجسام المضادة «تسبح» في دم المتعافي من الكورونا منتظرة من يجمعها بكلفة معقولة ويستفيد منها في علاج الآخرين. ويشترط بالطبع قبل استخلاص البلازما العلاجية التأكد من الشفاء التام للمريض من فيروس الكورونا ومعرفة زمرة دمه والتحقق من خلو المتبرع من الأمراض المنتقلة عبر الدم وأهمها فيروسات الكبد الوبائي «ب» و «ج»، وفيروس نقص المناعة المكتسبة، والأمرين الأخيرين إجراءات روتينية تختص بها بنوك الدم وتقوم بها على صعيد يومي بلا كلل أو ملل، لها كل التقدير والاحترام.

ويمكن للمختص تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة للاستفادة من بلازما المتعافين من فيروس الكورونا المُستجد:

١- الاستخدام الوقائي: وهنا يتم إعطاء بلازما المتعافين وبشكل دوري إلى الكوادر الطبية التي تعمل بشكل حثيث مع مرضى الكورونا كالأطباء والممرضين بهدف حمايتهم من الإصابة بالمرض أثناء تأديتهم لواجبهم الإنساني.

٢- الاستخدام في المراحل المبكرة للمرض: وهنا يتم إعطاء البلازما لمن هم في مراحل مبكرة من المرض لمنع تطور الأعراض وتدهور حالة المريض إلى درجة تستدعي دخوله المستشفى أو تهدد حياته بالخطر. وهنا يجب إعطاء أولوية العلاج للشرائح الأكثر تأثراً بالفيروس مثل من تجاوزت أعمارهم الخمسة وستين عاماً إضافة إلى من يعانون ضعفاً في قدرة جهاز المناعة على مقاومة الأمراض.

٣- الاستخدام في الحالات المتقدمة من المرض: وهنا يهدف استخدام البلازما إلى محاولة السيطرة على الحالات الحرجة والتقليل من عدد الوفيات. ولكن تبدو هذه الاستراتيجية الأقل نفعاً من الثلاثة سيناريوهات المقترحة. ففي تقرير حديث أرسلته كلية الطب في جامعة زيجيانغ الصينية إلى مجلة Nature العالمية، يخبرنا أخصائي الوبائيات ليانغ يو بالنتائج المبدئية لدراسة يُشرف عليها تم فيها إعطاء بلازما أشخاص متعافين لثلاثة عشر مريض كورونا في مرحلة متقدمة. لقد وجدت الدراسة أنه وعلى الرغم من أن البلازما العلاجية تمكنت من القضاء على الفيروس في أجسام المرضى، إلا أنه كان قد فات الأوان لتحسين وضعهم الصحي بسبب الأضرار التي كان الفيروس قد تمكن من التسبب بها خلال فترة المرض الممتدة.

أما في ما يخص الأردن، وإلى أن تتوفر علاجات أو مطاعيم خاصة بفيروس الكورونا المُستجد، فإنه من المُهم جداً إدراج فكرة العلاج السلبي باستخدام الأجسام المضادة على جدول أعمالنا وخططنا الطبية، وذلك حال توفر أعداد كافية من المُتعافين من المرض على أرض المملكة.

ولتقييم تركيز الأجسام المضادة لدى المرضى المُتعافيين، يجب إجراء فحوصات دم مناعية متخصصة. ويجري العمل حالياً على تطوير عدد من هذه الفحوصات لتكون على درجة عالية من الحساسية والدقة. نأمل من المسؤولين تسهيل وصول هذه الفحوصات إلى المختبرات المحلية المُعتمَدة في القطاعين العام والخاص حال الموافقة عليها واعتمادها من قبل اللجان العالمية والمحلية المختصة.

ومن هنا نشدد على الدور الأساسي الذي يمكن لوزارة الصحة الأردنية وبنك الدم أن يؤدياه في هذا المضمار. ويكمن هذا الدور بإجراء الفحوصات السريرية والمخبرية اللازمة لتحديد الأشخاص المتعافين من المرض، ومن ثم حثهم على التبرع بالبلازما التي يمكن استخدامها لتوفير الحماية لكوادرنا الطبية على أقل تعديل. وفي حال توفر كميات إضافية من البلازما العلاجية، فيمكن استخدامها أيضاً لعلاج مرضانا الأكثر قابلية للتضرر من المرض وذلك في المراحل المبكرة من العدوى لديهم.

ختاماً، أنا على ثقة أن مثل هذه الجهود ستساهم بفاعلية في الحفاظ على سلامة كوادرنا الطبية وتعزيز قدرة منظومتنا الصحية على احتواء المرض والسيطرة على أعداد الحالات التي تقتضي رعاية صحية مركزة، مما يحول دون استنزاف طاقاتنا البشرية والصحية واللوجيستية، ليخرج الوطن من هذه الأزمة بإذن الله سالماً معافىً وأقوى من ذي قبل.

i.abudayyeh@biolab.jo