في هذه الأيام القاسية التي تعصِفُ بالعالم والتي يمرُ بها وطننا الأردن والإنسانية جَمعاء، جرّاء تفشي وباء كورونا (COVID-19) ينتابُنا الكثير من مَشاعر القلق، ويساورُنا الكثير من الأفكار المُحبِطة والهواجس التي تقع في نطاق التشاؤم من القادم وتداعياته، ولكن يشدُّ الإنسانُ من أزر نفسهِ وعائلته وأحبائه وأبناء مُجتمعه ووطنه بضرورة الأخذ بالأسباب والاتكال على الله وتوخي الحيطة والحذر والالتزام بقواعد السلامة وشروطها التي تدفعُ الكثير من المحاذير وتُقلل من هذا الوباء الشرس.

لقد سُقتُ هذه المُقدمة لأتحدث عن نبأ أفزعني صبيحة الخميس الموافق 26/3/2020 إذ تلقينا ببالغ الحُزن والأسى نبأ وفاة الصديق الإنسان الطبيب محمود أبو صالح، أخصائي الأنف والأذن والحُنجرة والمُقيم في مدريد (إسبانيا) والذي يعمل في مُستشفياتها منذُ خمسينَ عاماً أو يزيد، والذي توفاه الله فجر الخميس إثرَ إصابته بفيروس كورونا، وما آلمني أن الدكتور أبو صالح لم يكُن صديقاً لي وحسب، بل كان يحتضنُ بكُل الحُب والأصالة فاتحاً ذراعيه وقلبه وبيته لكل الأردنيين من أصدقائه من الجالية الأردنية، وممن يزورون إسبانيا، ولكل أردني مُغترب هُناك يقصده أو يقصد داره أو جواره.

الطبيب أبو صالح المُغترب الذي لم تُغيّره الثقافات الغربية فقد بقي مُحافظاً على كُلِ ما تشرّبه في وطنه الأردن من عادات الأردنيين الأصيلة والمعطاءة وتقاليدهم الطيبة السمحة، مُحافظاً على الركائز والثوابت الأخلاقية الأردنية الراسخة، والمُتجذرة في الطيب والنخوة وحُب مُساعدة الآخرين، والتي لا يحُافظ عليها إلا أصحابُ الأخلاق العالية والشيم النبيلة في عوالمَ تعُجُ بالماديّات والقُشور الزائفة.

الطبيب أبو صالح الذي رفع اسم بلده (الأردن) عالياً منذُ ذهابه طالباً للعلم وسُبله ثم طبيباً مُعالجاً في مُستشفيات مدريد وحتى وفاته، وأياديه البيضاء تُمارسُ هذه المهنة الإنسانية لتمسح الأوجاع والآلام عن كُل مريض يريد الشفاء.

فتبجيلاً للذكرى ووفاءً لروحك الطاهرة يا دكتور محمود أبو صالح (أبو عُمر) نرفع أكُفنّا بالدعوات الصادقة بأن يرحمك الله وأن يُسكنكَ فسيحَ جنّاته وأن يُلهم عائلتكَ وأحباءكَ وأصدقاءكَ ووطنك الأردن الصبر والسلوان على خسارتك أن تُدفن تحت سمائه أو في تُرابه الحنون.

حفظ الله وطننا الأردن وأبناءهُ وأطباءهُ وتمريضَه وكافة الطواقم الصحيّة الساهرة فيه وجيشه العربي المصطفوي وأجهزته الأمنية سالمين مُعافين من كُل سوءِ وشرٍ ورفع هذا البلاء عن الإنسانية جمعاء، ورحم الله الطبيب أبو صالح المُغترب الذي حَمل وطنه الأردن بين ضُلوعه.

وإنا لله وإنا اليه راجعون