لا بد أن أحد أكثر الأخبار إثارة للانتباه في الفترة الحالية هو إيجاز وزير الصحة سعد جابر عند السادسة من كل مساء، لكن هل يستحق الأمر حقا كل هذا القلق؟ وما هي أبرز المخاوف التي يعبر عنها المواطنون؟.

خطورة التداعيات

إن تداعيات انتشار فيروس كورونا في الأردن هي الأخطر حاليا لأنها ستمتد إلى جميع مناحي الحياة، وهناك بوادر أزمات قد تشل الدولة وتعطل مناحي الحياة، الا ان كل ذلك لا يجلب الرعب الذي بات يسيطر على فئة محدودة من البشر، فشاهدنا كيف خرج المئات الى سيارات الخبز يتفعاطونها وكأننا مقبلون على مجاعة، كما شاهدنا وقرأنا كم الإشاعات التي جعلت البلد موحلا في الوباء.

ردود فعل مذعورة

ردود الفعل المذعورة، مثل شراء الأغذية والبضائع بكثافة، التي واكبت انتشار الفيروس، ظهرت لدى فئة يتلبسها سلوك من القلق، فيقوم البعض بالتبضع كجمع مخزون من المواد التموينية في حين أن التموين متوفر بكثرة، إنها ظاهرة النبوءة التي تحقق نفسها: ترقّب انقطاع المواد يولد بنفسه انقطاع المواد.

العديد من الملاحظات سجلتها ظواهر كان من الممكن أن لا تحدث، وكان من الممكن تجنبها، الا ان الأمر تجاوز الظواهر ليحقق نظرية، الآن أو لا وقت آخر.

من المعروف ان الشعوب تكشف عن جوهرها في أوقات الأزمات، فالأصيلة منها تتجاوز ما يواجهها وتخرج منتصرة، وتعتبر الأزمات امتحانا واختبارا وتحديا، ذلك أن التخاذل أمام الأزمات يمس الكرامة الوطنية، وهو أمر لا يمكن التهاون فيه حتى لو كانت تكاليفه مرتفعة.

غوغائية غير مبررة

وبعيداً عن غوغائية لم تبررها العقول برهن شعبنا الأردني أن له إرادة تواجه المصاعب وتخرج منتصرة، وان له عزماً يرفض التخاذل ويقبل التحدي مهما كان خطيراً ويتغلب عليه، وكارثة كورونا واحدة من هذه الأزمات التي حقق فيها الوعي الأردني غاية، تمثلت في الكم الكبير من التعاضد والتكاتف جعلت العالم كله يتحدث عنه بفخر واعتزاز.

إن ما بذلته الدولة الاردنية في الدفاع عن حياة المواطن يملي علينا كمواطنين أردنيين ملتزمين بالذود عن صورة وطننا وعن الحكومة التي تمثله، والتمسك بقيمنا التي لا يمكن المساومة عليها ممثلة اولا بالمصلحة الوطنية التي لا تختصر في فرد أو جماعة بل تشمل الأردن كله شعبا وارضا وحكومة.

يصيب الفيروس الناس فينتشر الهلع والخوف واللايقين وانتظار الحل، والخوف من الآخر، وهذا كله ينتقل من فرد إلى فرد إلى أن يصبح جماعياً، ومن الجماعة إلى الشعب، وهكذا دواليك، حتى يلتّف حول العالم، فيتساوى الفيروس المادي بالفيروس النفسي، ويسيران في جسد ونفس البشر بشكل متواز، وهذا ما يؤسس «بسيكولوجيا» جديدة لدى البشر، تتلخّص بالوسائل النفسية الجماعية التي يتعاملون بها مع الوباء، وهي ما يسمى «بسيكولوجية» الأوبئة.

الحجر الصحي الإجباري

ومع الإعلان عن تطبيق الحجر الصحي الكامل وإعلان قانون الدفاع تم تباعاً تجميع أفراد العائلة في البيت وبالخصوص الشباب والمراهقين منهم وهذه تعد بمثابة محطة استثنائية لاستكشاف إيجابيات التواصل والتحاور الواقعي في مقابل الوقوف على سلبيات الاتصال الرقمي وتضخم الترابط الافتراضي.

لهذا فالتداعيات المجتمعية لفيروس كورونا في علاقتها بالحجر الإجباري يمكنها أن تخلق سياقاً جديداً لتوطيد قيم التشارك والتحاور والتداول داخل العائلة الصغيرة.

إدراك وإنغلاق إيجابي

ومن هذا المنطلق وجب تمثل وإدراك الحجر وتوصيفه على أساس أنه انغلاق ايجابي للعائلة والأسرة حول ذاتها لإعادة التعارف والمكاشفة بين مكوناتها بعيدا عن كل أنانية أو تقصير مع باقي أفراد المجتمع، فالحجر يمكن اعتباره جسراً لثقافة الاحتراز والتضامن وكذلك معبراً نوعياً لممارسة مجتمعية جديدة تختلف في أنماط استهلاكها للمنتوجات المادية (العادات الغذائية) والرمزية (العلاقات الأسرية) وتستفيد من جائحة كورونا التي أتاحت استغلالاً واستثماراً للوقت والزمن متحرراً من ضغط الالتزامات والمواعيد والطقوس اليومية.

Nidaladaileh.arab.bwf@gmail.com