خلال أقل من أربع وعشرين ساعة ظهرت الروح الحقيقية للشعب الأردني، واستطاع أن يضرب مثلاً في التصرف بصورة حضارية، وأسكت من أطلقوا عليه صفات العشوائية والتهافت، وبعد أن أظهرت الخطة الأولى عدم فعاليتها، توجهت الحكومة لإطلاق خطة مغايرة على أساس التركيز على التباعد الاجتماعي، واستيعاب المواطنين، وكانت تطمينات الملك قبل يومين، وزيارته للمخزون الاستراتيجي من الحبوب وظهوره بين جنوده في الميدان، ومخاطبته للمواطنين كلها عوامل تضافرت لاستعادة الطمأنينة التي ظهرت في الثقة التي أولاها المواطنون على امتداد الأمس وهم يذهبون بكامل احتياطاتهم وبمنتهى الحرص إلى مراكز التسوق في الأحياء.

ظهرت فعالية التنظيم الذاتي، وفرضت خبرات الأردنيين نفسها، واكتملت الدائرة بين المؤسستين العسكرية والأمنية تحت قيادة الملك وبين المواطنين الذين أظهروا جوهرهم الحقيقي، وكانت المؤسسات الإعلامية تؤدي دورها، وتمكنت الحكومة من الاستجابة والتصحيح السريع للخلل الذي اعترى خطتها الأصلية، وأتت هذه السلوكيات المتحضرة لتعبر عن المنظومة الكاملة والتي تجعل الأردن نموذجاً خاصاً في المنطقة العربية بشكل عام.

الوعي الشعبي يستطيع أن يحتوي الخطر الذي يمثله الوباء، ومع التطورات الأخيرة تتوجه الدولة الأردنية في هذه المرحلة للانتقال إلى مرحلة جديدة تتدارس حالياً بدائلها، ومع توفر قطاع صحي بسمعة مرموقة أبقته مقصداً أساسياً لقاصدي العلاج من عدة مناطق للتأزم في فلسطين واليمن وليبيا، أخذ الأردنيون يشكلون وعياً جديداً تجاه الأزمة الجارية، وكانت كلمة الملك المتلفزة التي ركزت على أهمية الخطوات الاستباقية، ورفعه معنويات المواطنين بلهجة أبوية مفعمة بالثقة والفخر، ورسمت ملامح خطة عفوية ووطنية، وكان المواطن «قدها» بالفعل، فالمقولة الملكية السامية «أنتم قدها» تحولت سريعاً إلى كلمة سر حكمت المواطن عندما أتيحت له الفرصة للتصرف والمشاركة كما حدث بالأمس.

فكلمة الملك درس واضح في التعامل مع المواطنين، فالمواطن شريك في الوطن، والعلاقة بين القيادة والمواطنين تقوم على تفاهم عميق ومشاركة مخلصة، ولذلك أشاع الخطاب الملكي قدراً كبيراً من الثقة ترجمت نفسها في سلوك ملموس.

ستتواصل معركة الأردن مع مخاطر الوباء، والرسالة الواضحة–لمن يقرأ ويستوعب–أن سلامة المواطن هي الأولوية، وما زالت الإجراءات كثيرة والخيارات واسعة، وكلها تقوم على هذه الحالة من الثقة، ومهما كانت التكلفة فالمواطن أغلى ما نملك، والقيادة الوطنية لن تسمح بتهديد مقومات السلم الاجتماعي، وستواصل اجراءاتها الاستباقية التي ظهرت وفرضت ايقاعها منذ قرارها بالاستباق وإعادة المواطنين الأردنيين من يوهان، واستعادة آلاف منهم في أوروبا، وهذه الخطوات الاستباقية والتركيز على الموضوعية والنهي عن المكابرة والمعاندة والدعوة إلى التقييم المستمر والتصحيح العاجل استطاعت أن تضع الأردن في مكان آمن نسأل الله أن يظلوا فيه ويتماسكوا بنياناً مرصوصاً.