هنا في الأردن تعودت غالبية الشعب على الحرية المطلقة فيما يقولون ويفعلون، الكثير من المواطنين تجاوزوا اختصاصاتهم الوظيفية والمنزلية ليلتحقوا بركب المراسل الصحافي غير الموثوق، وكم من المضحك حينما كنا نرى ونسمع ونقرأ من أشخاص ليس لهم أي صفة وهم ينشرون عبر صفحات السوشيال ميديا عبارة «عاجل» تلك العبارة التي استنتها قنوات عالمية عملاقة لأخبار مهمة وخطيرة، أو نرى منشورات وفيديوهات يبثها كل من هب ودب على شاشات الهواتف، وهذا ما أنتج حالة الرفض لدى مجموعات من المواطنين ضد قرارات الحكومة بمنع التجول والتنقل والتجمع، بل زاد على ذلك حالة الاستذئاب في أول فرصة سنحت لتوزيع الخبز.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، جملة مشهورة تؤشر لمبدأ الحرية السياسية بالمناسبة، ولكنها اليوم باتت ضرورة حتمية لفهم واقعنا الذي أجبرنا الفيروس على الإنصياع لقواعده الصحية، فإما أن نلتزم بالعقل والنظام لنحمي سكان هذه الأرض وإما أن نعلنها حرباً فيروسية لتصفية الحسابات والضغائن والانتقام من قدر الفقر والحاجة والتقتير الحكومي فيما خلى من السنين، ولكن ما هو ذنب الغالبية العظمى من المواطنين الملتزمين، والأغلبية الصامتة التي تخجل أن تخرج شاهرةً سيف الشكوى؟

في المثل الشعبي هناك مقولة «اللي ما إله كبير يدور له على كبير» والمعنى أنه يجب أن يكون هناك قيادة عائلية تنضوي تحت التراتبية القيادية من البيت حتى العائلة الأكبر إلى الحكومة فالدولة، وبما أن لدينا رئيس حكومة ووزراء يتحملون وزرنا وأوزار قراراتهم فقد صدعنا لأوامر الصلاة في البيت وإغلاق المساجد، والاعتكاف العائلي في المنازل وحظر التجول بين المدن وفي الشوارع، وهذا ينسحب على عشرة ملايين يدبون على أرضنا الأردنية، ولا يمكن تصور أن هذا هو سجن كبير، بل حماية النفس وحماية أنفس الملايين من العدوى، فلماذا نضرب صورتنا الجميلة والمثالية من أجل لحظة تهور واستقواء على الأمر الرسمي؟

القضية ليست مكاسرة بين الحكومة والمواطن، بل هي توافقية يميل كفة ميزانها لصالح المواطن باتخاذه لإجراءات الأمن الوقائي من تفشي العدوى، وإلا فلننظر الى دولة قريبة منا كيف كانت المكاسرة، فصب النظام فيها براميل متفجرة فوق رؤوس السكان بسبب تفشي وانتشار مقاتلين من خارج بلادهم لم يجلبوا للشعب سوى القتل والتشريد واللجوء وضياع الحقوق المدنية، وهذا يحتم علينا أن نثبت لأنفسنا أولا بأننا قادرون على أن نصنع الفرق بين مجتمع فاشل ومجتمع مثلنا على قدر عال من الوعي والحكمة وحسن التصرف، وأن الظرف ليس مشهدا لمبارة كرة قدم يستغلها الغوغاء لتحطيم قيمنا الحضارية.

ما شهدناه من اصطفاف لطوابير المواطنين بانتظام لشراء احتياجاتهم يدل على أننا لا نزال بخير مجتمعيا، وعلينا أن ننبذ ونؤشر على الأخطاء وننصح إخواننا بعدم صنع الفوضى، فسلوك الشخص في الشارع يعكس سلوكه في منزله، وإن لم يعجبنا تصرف مسؤول أو فوقية وزير فهذا شأن يمكن التعامل معه في يوم يسرّ، أما نحن اليوم فإننا في حالة عسرّ وننتظر الفرج، حكومة وشعباً، وإن لم نساعد أنفسنا فلن يساعدنا أحد.

أخيراً ولم أحسبني أقولها، فإذا أُعلن عن حالة وفاة واحدة جراء الفيروس بيننا،سيستيقظ الجمهور الغفير من حالة الإنكار التي نعيشها جميعا، وحينها ندرك أن العدوى قاتلة، إن امتلكنا الخبز أو لم نجده.

Royal430@hotmail.com