في ظل الظروف التي يسارع الإنسان في العالم هذه الأيام لمد يد المساعدة لأخيه الإنسان في أي مكان، ومع توقف الاقتتالات والحروب في ظل شراسة العدو الجديد للبشرية «فيروس كورونا»، ما زال المحتل الإسرائيلي «يتففن» في جرائم حرب من نوع مغاير. فقد شرع الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي بخطوات احتجاجية ضد إدارة السجون، لعدم اتخاذها تدابير صحية لمواجهة الفيروس، ردا على قرار مصلحة السجون سحب 140 صنفا من كانتين (متجر) الأسرى، بينها مواد تعقيم خاصة بمواجهة الفيروس. كذلك، ومن ضمن الإجراءات التي أقرتها إدارة السجون، وقف إجراء الفحوصات الطبية أو الخروج للعيادة إلا في حالة ارتفاع درجة حرارة أسير. وفيما يخص الأسرى المرضى والجرحى أو من لهم مراجعات طبية مهمة فتم إلغاؤها بالكامل، علماً أنها وفي الأوقات الطبيعية، تنتهج المماطلة كسياسة في تقديم العلاج أو إجراء الفحوص الطبية. هذا، رغم أن «إسرائيل» ما زالت تتخوف من مواجهة موجة دعاوى قضائية ضدها في الفترة القريبة المقبلة، تتهمها بارتكاب جرائم حرب.

لقد جاء ذلك التخوف جليا في مقال نشره المدعي العام الإسرائيلي (أفيحاي مندلبليت) ومساعده (غيل ليمون) وهو مدعي عام عسكري سابق، قالا فيه: «الدعاوى المقدمة ضد إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ومؤسسات حقوق إنسان دولية «مسار استراتيجي» و«حرب قضائية». لا توجد دولة أخرى تتعرض لإجراءات حرب قضائية حيال عملياتها مثل إسرائيل». غير أن ما يثير الاستغراب أن (مندلبليت) و(ليمون) يتجاهلان أن المحاكم المدنية الإسرائيلية، وخاصة المحكمة العليا، أصبح دورها الرئيس اليوم هو «تبرئة» الاحتلال الإسرائيلي من الجرائم المتنوعة التي ترتكب ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. وبحسبهما أن «أي حدث كبير تمارس فيه إسرائيل القوة العسكرية، في السنوات الأخيرة، جرّ مبادرات لحرب قضائية بقوة متفاوتة. ولا يتوقع أن يتغير هذا الأمر في المستقبل. وهذه أداة استراتيجية يستخدمها أعداء الدولة من أجل تحقيق أهدافهم السياسية من وجهة نظر شاملة».

من هنا جاءت أهمية الجهود التي تبذلها اللجنة الوطنية العليا الفلسطينية لمتابعة المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالإجراءات الكفيلة لمحاكمة مجرمي الاحتلال أمام المحكمة الجنائية، حيث تقدمت دولة فلسطين بمرافعة خطية للدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة، مؤكدة للمحكمة وللمدعية العامة الولاية الإقليمية وفق ميثاق روما، للنظر في الجرائم الواقعة ضمن اختصاصها، وخاصة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في دولة فلسطين. هذا، مع أن الطريق ما زال طويلاً حتى نشهد يوما يحقق فيه الشعب الفلسطيني إنجازاً في سعيه إلى تقديم مجرمي الحرب إلى المحاكم الدولية. لكن، المطلوب بإلحاح اليوم، فلسطينيا، هو توحيد الجهد الفلسطيني لضمان إنجاز ملفات قضائية ضد الاحتلال، وتحويلها إلى قرارات من خلال تقديم ملفات جنائية ضد مقارفات الاحتلال الكثيرة.