في خضم حرب غير مألوفة تخوضها البشرية حول الكرة الأرضية ضد وباء الكورونا الذي يتفشى مخترقاً حدود الدول كبيرها وصغيرها، ومقتحما صحة وحياة الاغنياء كما الفقراء دون تمييز طبقي، ووسط حجر صحي احتياطي لا مناص منه ومنع للتجول لم يعتده الناس الا في النزاعات المسلحة او الطوارئ الأمنية العامة فيلتزمون بيوتهم ويتابعون بتأمل وتفكر آخر أنباء الجائحة وقرارات السلطات المختصة بشأنها ومدى الاستجابة لارشادات منظمة الصحة العالمية، من الطبيعي لمهتم مثلي أن يعود للماضي ويتذكر اشهر وباء في التاريخ (الطاعون) الذي حصد الأرواح بالملايين، ثم وباء التيفوس الذي تفشى في بعض الجيوش بالحرب العالمية الاولى وخشية انتشاره اثناء الحرب العالمية الثانية صدرت تعليمات الحكومة عندنا بقص شعر تلاميذ المدارس (على الصفر) حتى لا يعشش فيها القمل، فعرفنا يومها معنى آخر للنظافة (الصحية)! وفي غضون سنوات قليلة عايشنا هموم مصر العزيزة وهي تكافح وباء الكوليرا عام 1947 في اكثر من الفي مدينة وقرية حيث قضى على قرابة اربعين ألفاً من سكانها وعرفنا ايضا ان الغالبية الساحقة من الضحايا كانت من الفقراء.

اليوم وكل دول العالم تواجه محنة الكورونا بطرق واشكال متشابهة نرى مدى نجاح تلك التي تتبنى مبادئ الرعاية الصحية الأولية كالأردن مقابل تقصير وارتباك تلك الغنية التي تفاخر فقط بمستشفياتها الكبيرة وتنظر لهذه المبادئ باستعلاء واستخفاف باعتبارها مصممة للفقراء فحسب، وتشغل نفسها بالتركيز على المخاوف الاقتصادية وما قد يصيب اسواق الاسهم والاوراق المالية أو على النزاع حول اسعار النفط بين الدول المنتجة، ونرى في الوقت نفسه دولاً حركتها مشاعر الأخوة الإنسانية وتعالت على جراحها، فها هي كوبا الجزيرة الصغيرة التي تعاقبها الولايات المتحدة على ثورتها منذ عشرات السنين بالحصار الظالم، ترسل اعداداً كبيرة من اطبائها لمساعدة إسبانيا ونرى الصين وروسيا ترسل القطارات والبواخر المحملة بالمساعدات الانسانية لإيطاليا وصربيا.

بالأمس كنت استمع الى اذاعة ريل نيوز الاميركة المستقلة تحاور مؤلفتي كتاب جديد عن الكورونا في اميركا وكيف ان سياسة تقليص ميزانية الصحة قد تهدد في مثل هذه الظروف الى كارثة حقيقية لان ملايين من الاميركيين لا يغطيهم التأمين الصحي ومئات الألوف من الموظفين والعمال لا يتمتعون بالتأمين ضد البطالة وهم الان بموجب الحظر والعزل ومنع الذهاب الى العمل بلا اي مورد رزق.

وبعد.. أما إدارة الأزمة في بلدي فاني ازهو بالثناء عليها.