يحصل في هذه الأيام أن يتساءل الناس، وهو حقٌّ مشروع، عن سبب الشرور في العالم، ومنها هذا الفيروس الذي عصف في بقاع شتى من العالم، وغيّر الكثير من السلوكيات اليوميّة، وجعل العالم كله في حالة طوارئ.

نعود إلى القرن العشرين، وتحديداً إلى العام 1912، حين كانت سفينة تسمى التايتانك تبحر من لندن إلى نيويورك، وقد تمّ بناؤها على أيدي أمهر المهندسين، واستخدم في بنائها أكثر أنواع التقنيات تقدمًا، وكانت مزودةً بأعلى معايير السلامة، وساد الاعتقاد بأنّها السفينة التي لا يمكن إغراقها. وحدث ما لم يكن في الحسبان، فقد اصطدمت الباخرة، وكان على متنها أكثر من ألفي راكب، بجبل جليدي، وكانت النتيجة غرقها.

أقيمت الكثير من الأفلام التي صورّت المشاهد الدرامية، وكيف تصرّف الناس إزاء ذلك الغرق المحتّم. تقول القصص بأنّ بعض العمّال قد انصب تركيزهم على ترتيب الكراسي لئلا يغضب الأسياد، ذلك لأنّ على متن السفينة كان هنالك كبيرٌ وصغير، وكان هنالك غنيٌ وفقير. وخلال مشاهد غرق السفينة، أكمل الموسيقيون عزفهم، ليس للامبالاة منهم بل لأنّهم أرادوا أن يشيعوا أجواء من السكينة والطمأنينة في نفوس الركاب. وفي تلك اللحظات «الحرجة» التجأ الركاب إلى الصلاة والترنيم، ومن بين الترانيم الشهيرة التي رنمّت على متن السفينة كانت Amazing grace، وبالعربية «ما أعذب النعمة لي»، وأيضاً Nearer, My God, to Thee والترجمة «يا رب أنت ليّ خير الحمى».

ما أشبه الأمس باليوم؛ العالم كلّه هو سفينة. وهذه السفينة ترتطم بجدار عنيف هو كورونا. لا نريد أن نحلّل الأسباب البيولوجية لهذا الفيروس اللعين، ولكننا نريد أن نقول بأنّ الأسرة البشرية تجد اليوم تلاحمًا أكبر من ذي قبل، ذلك أنّ التحديات مشتركة، والحياة الثمينة هي مشتركة لأنّها نعمة من الخالق عزّ وجلّ. وحين أصغي إلى ترانيم وأغاني الشعب الايطالي من خلف الشبابيك، أدرك أنّنا أمام تايتانك جديد، لكن هنالك أمل بالخروج من هذه المحنة. فتايتانك السفينة خرج منها 700 ناجٍ، والبشرية ستنجو اليوم، بفضل تقدّم العلم الذي يسخّر نفسه لخدمة الانسان وصحته وحياته وكرامته المقدّسة.

طبعاً أغلقت بيوت العبادة ككنائس ومساجد كونها ضمن مؤسسات المجتمع الذي يُمنع فيها التجمعات. وكان هنالك منصات السوشال ميديا، ووسائل الإعلام بشكل عام، التي أيضاً أصبحت مثل منابر دينية للعديد من الأشخاص الراغبين في الصلاة عبر هذه القنوات. وطبعًا كان هنالك إشكاليات في كيفية إيصال رجال الدين إلى الأخوة المرضى الذين ثقل عليهم المرض وصاروا في ساعاتهم الأخيرة، مما حدا بقداسة البابا فرنسيس إلى اتخاذ إجراءات خاصة لكي يحصل الإنسان على مغفرة الخطايا، وأن يغادر هذه الدنيا راضياً مرضياً.

تايتانك القرن الـ21: هل هو سفينة نوح التي جاءت لكي تعاقب البشر على خطاياهم؟ هذا في ذهن الله تعالى، وليس لنا أن نقول بأن ما حصل هو عقاب إلهي. ولكن من دون شكّ ما حصل هو عبر ودروس كثيرة، وهو أنّ سلم الأولويات لدينا قد انقلب في الماضي، وأصبحت اهتمامات الناس ماديّة، كالسفريات والبزنس التي أصبحت أساسية، فيما علاقاتنا الاسرية والعائلية والايمانية قد أصبحت أمورا ثانوية. كذلك نحن اليوم مدعوون إلى دعم العلماء والمختبرات لكي تكون هذه الأبحاث العلمية خادمة للإنسان، وألا ترتكز جهود العالم على الأرباح والمنافع المادية والاستهلاكية.

Abouna.org@gmail.com