لم يعد وباء كورونا الذي ظهر في مدينة ووهان بالصين، وانتقل إلى مناطق أخرى، مجرد مسألة صحية ترتبط بالعلاج والوقاية، ولكنه أثار العديد من القضايا السياسية على المستوى الدولي، وهي قضايا جديرة بالاهتمام والتحليل.فالسياسة تلقي بظلالها على بعض ما يجري حالياً في ظل هذه الأزمة الصحية، دون أن يعني ذلك بأي حال التقليل من خطورة وباء كورونا، ولا التهوين من الجهود التي تٌبذل لاحتوائه وانتشاره. واستطيع أن أوجز هذه القضايا بالنقاط الآتية:

1- أثبت وباء كورونا أن الدولة هي الأساس في الحفاظ على صحة مواطنيها ضد الأمراض المعدية، فالسياسات العامة تحددها الدولة، لا منظمات المجتمع المدني، أو الشركات عابرة للحدود،أو أدوات التواصل الاجتماعي، الدولة هي مركز العمل العام في مواجهة الأوبئة، ففي كل المناطق التي انتشر فيها الوباء كانت الدولة وأجهزتها هي الفاعل الأهم والأكبر والأساس في مواجهة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والصحية للوباء، وهو يعني عدم واقعية النظريات التي تطالب الدولة بالانسحاب من إدارة الأنشطة الصحية والاقتصادية وغيرها، والاكتفاء بما يٌعرف بمفهوم «الدولة الحارسة» التي تعمل فقط بتطبيق القوانين.

2- رغم ما يعتري النظام الدولي القائم على التعاون بين الدول و المنظمات الدولية والإقليمية من عيوب،إلا أنه مع انتشار هذا الوباء برز دور المنظمات الدولية التي تتمتع بالثقة مثل منظمة الصحة العالمية كشريك موثوق، في تحديد مناطق انتشار المرض، وفي هذا إحياء لدور منظمات الأمم المتحدة الذي كان مهملاً في السابق، وتفعيل إيجابي لدور الأمم المتحدة في تنظيم علاقات دولية أساسها التعاون لا المواجهة.فهذا التنظيم الدولي،ورغم ما به من عيوب، لكنه يظل هو عامل الأمان الدولي الأول للتعامل مع القضايا العابرة للحدود مثل القضايا البيئية والصحية والجرائم الدولية وغيرها.

3- أعاد وباء كورونا الجدل حول أزمات عصر العولمة، وهو عصر يتسم بدرجات عالية من عدم اليقين، وتبدو حالة عدم اليقين المحيطة بأزمة وباء كورونا أكثر شدة، وتداعياتها أكثر خطورة، نظراً إلى اتصالها مباشرة بصحة وسلامة أعداد كبيرة من البشر،ما يفرض على صناع القرار اتخاذ تدابير لمواجهة وباء لم تتوفر بعد معلومات أساسية عن قدرته على التحور،والمدى الزمني المتوقع لانتشاره، كما أن معلومات أفضل سبل العلاج لا تنتشر بالسرعة الكافية إلى المجتمع الطبي على نطاق دولي،حتى تتمكن الدول المختلفة من إعداد التجهيزات الصحية اللازمة لمعالجة مرضاها. كما تضافرت حالة عدم اليقين المحيطة بهذه الأزمة، إلى خلق حالة من القلق الشديد على مستوى الرأي العام عالميًا،وقد ساهم في انتشارها كم كبير من المعلومات المغلوطة، والأخبار الزائفة، ونظريات المؤامرة، والتوجهات العنصرية،التي تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي.

4- من المتوقع بعد أن أودى وباء كورونا بحياة الآلاف من البشر، أن يراجع منظري العلاقات الدولية نظرياتهم التي تتحدث عن الفاعلين في العلاقات الدولية من دول ومنظمات دولية وإقليمية وشركات عابرة للقارات وأفراد،فهذه النظريات لا نجد فيها تناولاً لفاعلين آخرين دوليين جدد أشد تأثيراً مثل الأوبئة والكوارث. لأن المنظرين غالباً ما يضعون تأثيرها في حقبة مكانية معينة.

بعد هذا العرض الموجز لأهم الأبعاد السياسية لوباء كورونا، أستطيع القول، أن العالم يحتاج إلى وقفة طويلة لإصلاح سياساته الاقتصادية والسياسية بعد زوال خطر هذا الوباء، فلعل هذا الوباء يكون بمثابة فرصة لترتيب دولي جديد يدشن مرحلة جديدة للعلاقات الدولية.

aref_murshed@yahoo.com