عمان - رويدا السعايدة

أرجعت «أزمة كورونا» التي تجتاح العالم أجمع في الوقت الحالي، السبعيني الحاج محمد العبادي إلى منتصف الخميسنات من القرن الماضي عندما انتشر وباء «الحصبة» آنذاك.

ففي مدرسة يرقا الثانوية، وخلال المرحلة الدراسية الأولى، يستذكر الحاج محمد أن عدد طلاب صفه كان 16 طالبا.

ويتذكر أنه طلب إليهم التزام بيوتهم، وهو الأمر الذي استمر لمدة شهر كامل، وحين عادوا إلى الدراسة وجد أن هنالك ثمانية طلاب قد توفوا بذلك المرض، وهو ما شكل صدمة لديه يذكرها إلى الآن.

الإجراءات الحكومية في أواخر الخميسنيات ذكريات استرجعها الحاج محمد حينما انتشر مرض «الملاريا» في بلاد الشام، إذ كانت هناك إجراءات عديدة من عزل وتعقيم المناطق تجنبا لوقوع المزيد من الإصابات.

وبين أنه خلال تلك الفترة كانت تجتمع الأسر في منزل إحدى العائلات لتلقي المطعوم ضد ذلك المرض.

وجاءت «الكوليرا» في آوائل الثمانينيات لتضع بصمتها في ذاكرة الحاج محمد حول آلية التعامل من عزل للمرضى الذي استمر لنحو 8 أشهر.

يقول الحاج محمد ان الأجيال القديمة كانت تتمتع بصحة ومناعة أفضل نظرا لطبيعة الغذاء الذي كانوا يتناولونه من دجاج وبيض ولحم بلدي إضافة الى السمن ولبن وحليب الغنم الطازج.

ولا ينكر الحاج محمد أن طبيعة الحركة آنذاك كان لها دور كبير في الوقوف في وجه الأمراض السارية، إذ كان الجميع، رجالا ونساءً، يباشرون أعمالهم منذ الصباح الباكر.

ويرى أن الأجواء آنذاك كانت خالية من التلوث نظرا لعدم توافر السيارات وقلة عدد السكان آنذاك.

الحق يقال...

الثلاثينية نسيم عبدالله، وهي أم لأربعة أطفال، عزمت على جمعهم وشرح أزمة كورونا لهم من خلال توضيح طرق عملية حول آليات الوقاية.

وتجمعهم نسيم كل ليلة أمام شاشة التلفاز وهي تستمع للمؤتمر الصحفي وتحاول أن تخلق لديهم ثقافة في التعامل مع الأزمات منذ صغرهم.

وهي ترى أن «أزمة كورونا» ستكون قصة تتداولها الأجيال، جيلا بعد جيل، وهي ستخبرهم أيضا أن أهم حدث في هذه القصة أن «الأردن باع كل شي واشترانا» مثمنة دور الحكومة في التعامل مع تلك الأزمة، وموجهة تحية لكل نشمي يلبي نداء الواجب؛ داعية الله أن يحمي الوطن. واستذكر الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرابية، بعد ظهور «أزمة كورونا»، الأنفلونزا التي أصابت العديد من أهل بلاد الشام عام 1958، التي تميزت بنفس الأعراض والعدوى، حيث كانت قاتلة في ذلك الوقت. ويبين الغرايبة أنه طلب منهم في ذلك الوقت عدم الذهاب إلى المدرسة إلا بعد أسبوع والالتزام بعد الاختلاط مع الآخرين.

ويلفت إلى أن الأسر في ذلك الوقت تجاوبت مع التعليمات وتم الخلاص من ذلك المرض في وقت وجيز.

وأسقط الغرايبة تجربته مع ذلك المرض على «أزمة كورونا؛ إذ طلب من أسرته التزام بيوتهم وعدم الخروج من المنزل لأي سبب كان.

ويشير إلى أنهم أصبحوا يدركون أن البقاء في المنزل هو أفضل الوسائل لتجنب انتشار العدوى والإصابة بالمرض.

ويشير غرايبة إلى أن «أزمة كورونا» التي تحل الآن في مجتمعاتنا العربية والعالمية وتجتاحها، هي امتحان ونموذج يفيد الأجيال القادمة ويمنحها الخبرة العميقة في حال تعرضها للأزمات والمحن.

ولاحظ أنه لا يمكن أن نتصور أن مجتمعا انسانيا واحدا لن يمر بأزمة او محنة طبيعية أو اجتماعية كأزمة كورونا التي باتت تهدد الصحة.

ولا ينكر الغرايبة أن الهلع والخوف من انتشار المرض والإصابة به يتطلب وعيا جماهيريا وادراكا ذاتيا من كل مواطن ليشعر بالمسؤولية ويبادر الى فعل امور كثيرة تجاة نفسه واسرته ومجتمعه. ويحض الغرابية المجتمع بإسره الى الوقاية من الوباء والمشاركة في تحصين انفسهم ومجتمعهم.

ويشدد على أهمية البقاء مع الأسرة بمعزل عن المؤثرات الخارجية وعدم الاندفاع إلى الخروج الى الشارع بدافع الفضول.

ويدعو الأردنيين إلى التحلي بالصبر والانسجام مع التعليمات الحكومية، خصوصا أنه لا يوجد حتى الآن علاج لهذا الوباء.

ويرى الغرايبة أنه لا بد أن الأجيال القادمة عندما تسمع أو تقرأ عن «أزمة كورونا» في المستقبل والظروف غير العادية التي يمر بها العالم سوف تتكون لديه فرصة للأخذ بالأسباب واللجوء إلى سبل الوقاية المتاحة في مثل هذه الحالات وأخذ العبرة من هذه الأزمة.