عمان - خولة أبو قورة



بعد ظهور أول حالة كورونا في الأردن توجهت العديد من المدارس لتهيئة نفسها من حيث الكادر والطلاب والأهالي وتدريبهم للتعليم عن بعد في حال أغلقت المدارس، في حين لم تقم مدارس أخرى بذلك وتأخرت في تطبيق نهج التعلم عن بعد، لكنها بدأت في مسك زمام الأمور في الأسبوع الثاني من العطلة.

"العطلة الإجبارية» التي أعلنت أخيرا من باب الوقاية والحد من الاختلاط لمنع انتشار فيروس كورونا بعد «تحديا للأسرة بالدرجة الأولى من حيث تنظيم الوقت وإقناع الأبناء بالتعلم عن بعد من خلال شاشات التلفزيون الوطني أو الإنترنت ومدى الاستفادة التي يمكن تحقيقها»، برأي المستشارة التربوية الدكتورة أمينة الحطاب.

وتقول الحطاب أن المدارس تواجه صعوبات في نشر فلسفة التعلم عن بعد وقد تعد التجربة الأولى لها لذلك فإن حجم الأخطاء التي ستقع بها سيكون كبيرا».

تجارب مدرسية

تعد مديرة قسم البرامج الدولية في الكلية العلمية الإسلامية ليلى الكايد العساف التعلم عن بُعد «فرصة لجميع فئات المجتمعات المدرسية لمحو الأمية التكنولوجية لدينا، وبخاصة الكوادر التعليمية وأولياء الأمور، فالتكنولوجيا ليست تحديا للجيل الصاعد بل التحدي الأكبر كان في استباق الطلبة لتعلم كيفية توظيف المنصة».

«في غضون أيّام اضطررنا لتعلم ما قد يستغرق تعلمه شهورا في الظروف الطبيعية لتهيئة منصة لطلابنا».

وتقول مسئولة برنامج التعلم عن بعد في المدرسة الإنجليزية الحديثة ومعلمة الحاسوب ميسون الهنيدي «منذ أن سمعنا عن أول حالة أخذت الموضوع بجدية وباشرنا العمل فورأً؛ فعقدت دورات تدريبية لجميع معلميناعلى برنامج مايكروسفت تيمز».

وتتابع: «بدأ المعلمون في التدرب عن طريق عمل مجموعات صفية وهمية فيما بينهم وتدربوا على إضافة الأعضاء وإنزال تطبيقات وعمل فيديوهات وإضافة ملفات وإرسالها حتى تمكنوا من استخدام البرنامج».

وهي حرصت على أن يحصل كل طالب على 3 أوراق تضم جداول الحصص والبريد الإلكتروني لكل طالب وكلمة المرور الخاصة به وورقة التعليمات لكيفية الولوج إلى التطبيق واستخدامه، «وخصصنا خامس حصة في آخر يوم دراسي ليشرح المعلمون للطلاب كيفية استخدامه في حال صدور تعميم بتعطيل المدارس».

وتلفت الهنيدي إلى أن الطلاب تحمسوا لتجربة البرنامج فور وصولهم منازلهم، ولم نواجه أي مشكلة، إذ استأنف الطلاب الدراسة من أول يوم حجر منزلي وفق جدول الحصص المعتاد، حيث «يشرح المعلمون مادتهم في بث مباشر للطلاب، وتُسجل الحصة في حال تعذر حضور طلاب لأسباب تقنية، إذ يحصي المعلم الغياب والحضور، ويبلغ أهل الطالب في حال عدم تواجده لحضور الحصة».

ردة فعل أولياء الأمور

تفاوتت ردة فعل أولياء أمورالطلبة بين راض من أداء المدارس الجديد وممتعض.

تشعر لينا سعيد بالرضى «حتى الآن»، وتستدرك بالقول: «أكيد هم لا يتلقون الكم ذاته من المعلومات، لكنهم ما زالوا يتلقون دروسا من مادة يوميا في ظل الظروف الطارئة ولم تتوقف الدراسة بشكل كلي, كما بدأ أبنائي في تعلم تحمل المسؤولية، فهم يتابعون دروسهم ويحلّون واجباتهم ويرسلونها وهم بحاجة دائمة للتذكير والمتابعة لأنهم يجلسون في المنزل».

فرص ذهبية للطلاب

وتعتقد أم قصي، والدة طالبين في المرحلة الابتدائية والروضة، أن التعليم عن بعد «فرصة ذهبية لأبنائنا؛ فهي كالدروس الخصوصية، وخصوصا عندما تسجل معلمة المادة شرح الدرس بصوتها وتكون موجوة فيه، حيث أن وجودها يشد الطالب أكثر، كما يمكن للطالب أن يعيد مشاهدة الدرس أكثر من مرة إذا لم يفهمه من المرة الأولى».

وتدعو أم قصي المعلمين إلى أن يرسلوا شروحهم الخاصة بهم بأصواتهم أو تسجيل فيديو بدلا من إرسال روابط من اليوتيوب لمدرسين آخرين، لأنها لاحظت أن اهتمام أبنائها أكبر عندما يتلقونه من معلمي مدرستهم.

ومن تجربتها في التعليم عن بعد في الجامعات الأميركية، ترى الأستاذ المساعدة المعلم قسم العلوم التربوية في جامعة البترا الدكتورة نيللي البنا أن الإنجازات التي قامت بها المدارس في ظل الإمكانيات المحدودة والوقت الضيق «قصة نجاح».

وبالرغم من الصعوبات التي واجهت الكوادر الدراسية والأهالي إلا أنهم «بدأوا يستوعبون الموضوع ويتعاملون معه بجدية، وأصبحوا يبحثون عن طرق ووسائل جديدة لعرض وتثبيت المواد الدراسية عند الطلاب».

المعلم يتحمل العبء الأكبر

وتوضح البنا أن التعليم عن بعد «يقع على كاهل المعلم»؛ فهو «يرزح تحت ضغط كبير لأنه يستخدم طرقا جديدة لإيصال المعلومة, إذ يخرج المعلم من منطقة الراحة الخاصة به.».

وتشرح بالقول: «عندما يقف المعلم أمام الطلاب يستطيع أن يراهم ويتفاعل معهم، أما في التعليم عن بعد يكون الطالب في مكان والمعلم في مكان آخر، فلا يتأكد من فهمه للمادة، لذلك عليه أن يضع معايير جديدة لتقييم وتقويم وإفهام المعلومة, بالبحث عن وسائل جديدة ومختلفة».

الحس بالمسؤولية والتنظيم

وتشتكي العديد من الأمهات من أن أبناءهنّ يعتبرونها عطلة من الدراسة «ولا ينظرون إلى الأمر بجدية، إضافة إلى عدم مقدرتهن على المتابعة والسيطرة وبخاصة من لديها ثلاثة أبناء وأكثر».

وتعلق هبة، والدة طالب في الصف السابع» لن ينجح التعليم عن بعد إلا بوجود التخطيط المسبق والتدريب والإدارة الواعية وبعد ذلك يأتي دور الأهل والطلاب في التطبيق والمتابعة الالتزام».

هنا، تدعو البنا الطلاب «لتعلم تحمل المسؤولية والانضباط كما يجب أن يكون لديهم إرادة فالتعلم عن بعد ليس أمرا سهلا وهو أمر غير موجود بثقافتنا من قبل فالطالب لا يعرف بعد كيف يتحمل مسؤولية نفسه وهو جزء كبير من عملية التعلم عن بعد».

وتنبه إلى أنه إذا لم يكن لدى الطلاب إرادة وحس بالمسؤولية والقدرة على متابعة الدراسة «سيتراكم المحتوى عليهم ولن يستطيعوا مجاراة زملائهم المواظبين».

دور الأهل

تعرض العساف للأهالي الأسلوب الأمثل لحض الأبناء على الدراسة: «من المهارات اللازمة للطلبة للتعلم عن بُعد: تنظيم الوقت وضبط النفس لشحن الدافعية للدراسة، وتخصيص مكان في البيت للدراسة و طلب المساعدة من المعلم أو ولي الأمر عند الحاجة».

وتحض العساف أولياء الأمور على إيجاد روتين في البيت لجعله بيئة مناسبة للتعلم. لهذا «على الجميع أن ينخرطوا بترتيب أسرّتهم وارتداء ملابس العمل لاستقبال كل يوم بيومه بدل البقاء بلباس النوم، الذي قد يشجع على الكسل وضعف الهمة».

وبما أن تحديات هذه المرحلة عديدة، تنصح العساف أولياء الأمور والمعلمين «بغض الطرف عن مشاكسة بعض الطلبة بقيامهم بالتعليق على المنصات الإلكترونية، أو عدم التزامهم بالوقت أو عدم تسليمهم الواجب في وقته، وما شابه ذلك، لأن الظرف الحرج يفرض نفسه».

وتدعوهم للالتفات لما هو أهم: «معنويات الطلبة؛ إذ سيتذكر معظم أبنائنا أجواء منازلهم وردود أفعالنا خلال هذه المحنة.. فالأطفال يشاهدون ويتعلمون من أهاليهم كيفية الاستجابة للضغوط والقلق، لذا؛ لنكن قدوة في الإيمان والمرونة والإيجابية».

وترى أخصائية الإدارة التربوية الدكتورة إميليا النقري أن هناك تضافر جهودٍ واضحة لإنجاح عملية التعلم عن بعد من قبل الهيئات الإدارية والتدريسية. وتشدد على أنه «لتتكلل هذه العملية بالنجاح يأتي دور أولياء الأمور عن طريق المتابعة وأخذ الموضوع بجدية ومساعدة الأبناء في الدّراسة وتشجيعهم».

وتنبه النقري إلى أن المجتمع المدرسي «لا يقصر على الإدارة والمعلمين والطلبة؛ بل يتعداه إلى أولياء الأمور، وبخاصة في المرحلة الابتدائية؛ إذ أن الطلبة في هذه المرحلة لا يمكنهم تحمل المسؤولية وحدهم دون دعمهم».

ولشغل الأبناء بعد الانتهاء من الدراسة تدعو النقري الأمهات «لتحضير أنشطة متنوعة للأطفال، مثل المكعبات، ألعاب القطع التركيبية، الصلصال، دفتر رسم وألوان، قراءة قصص وتمثيلها، حضور أفلام رسوم متحركة لها مغزى تعليمي، مواقع إلكترونية تحتوي ألعاب تعليمية، عمل تجارب تعليمية، خبز «كَب كيك» وتزيينها من قبل الأطفال».

دعوات للتغيير

تعتقد حطاب أن كورونا «محطة تجعلنا نراجع أنفسنا في طرق ووسائل التعليم المتبعة.."

وترى أنه يجب تدريب الطلبة على التعلم الذاتي؛ بمعنى «أن يبحث الطالب عن المعلومة ثم يعيد صياغتها بأسلوبه ويحوكمها بمعنى أن يفكر في صحتها من عدمه ثم يبحث عن طرق الاستفادة منها في الحياة اليومية..».

فالتعليم برأيها «إكساب الطلبة مهارات التعلم الذاتي وربط التعلم بالحياة لكي يبقى مدى الحياة».

وتقترح حطاب أن تطرح وزارة التربية ومعها المدارس موضوعات لها علاقة بالمناهج ويطلب من الطلبة اختيار موضوع أو أكثر وعمل بحث عنه. ولا يشترط أن يكون مطبوعا أو أن يتحدث عنه الطالب عندما يعود للمدرسة.

ويقيّم أداء الطالب عليه من قبل المعلمين وتحسب له علامة التقويم الثاني أو الثالث، «وقد نطلب منهم عمل وسائل تعليمية من البيئة المحلية».

وتعتقد حطاب أن الأسلوب البحثي هو «من أفضل الأساليب التي قد نتبعها في تعليم الطلبة عن بعد حتى لو اختلفت المناهج بين الوطنية والدولية».

أما في مدارس المحافظات والقرى البعيدة «فيمكن الاستفادة من الكتب المدرسية والطلب من الطلبة قراءة وحدة دراسية معينة (تحددها المدرسة) وتلخيصها، مع ترك الحرية للطالب بالطريقة التي يفضلها وأن يجهز نفسه لشرحها في الصف بعد انتهاء العطلة لتقيمها وإعطائه علامة عليها».

وتدعو الحطاب إلى استخدام أسلوب «حل المشكلات» كاستراتيجية تعليمية عن بعد وذلك «بطرح عدد من المشكلات التي تتعلق بالمواد الدراسية ونطلب من الطلبة البحث عن حلول لها بأساليب متنوعة غير المعتادة يقيم عليها الطالب لاحقا».

وباعتقادها أن بث الحصص عبر وسائل الإعلام «لن تكون مجدية وسيشعر الطلبة بالملل من هذا الطريقة غير الفعالة لأنه تشبه الطريقة التقليدية ناهيك عن عدم التفاعل مع ما يطرح بها من معلومات».

وتشير الحطاب إلى «ضرورة التواصل بين الطلبة والمعلمين عبر وسائل التواصل أو الايميلات لمتابعة الطلبة في دراستهم والإجابة عن الاستفسارات وقد تحدد المدارس ساعات محددة لذلك لئلا تزعج المعلمين طوال اليوم».

وتطالب الدكتورة نيلي البنا وزارتي التربية والتعليم العالي بأن يصبح التعلم عن بعد جزءا من المناهج الدراسية والخلط بينه وبين التعليم المباشر.

وتوصي باتباع خُطا الدول المتقدمة بهذه التجربة، «فعلى التعليم العالي وضع معايير لضبط التعلم عن بعد واعتماد الشهادات المعطاة للمتعلم عن بعد واعتماد ساعاته الدراسية؛ فقد وصلنا مرحلة لا نستطيع الاستغناء فيها عن التعلم عن بعد».

وبينت البنا بأن اعتماد النظام يحتاج «لبنية تحتية قوية جدا وتمويل ضخم وتهيئة المدارس والكوادر التعلمية «فالتعلم الإلكتروني ليس سهلا ويستغرق تحضيره والاستعداد له وقتا طويلا أكثر بكثير من التعليم وجها لوجه».

وتدعو البنا أساتذة الجامعات والمعلمين إلى الالتحاق بدورات تدريبية وتكثيف جهودهم لتعلم تقنيات التعلم عن بعد. وتحثهم على تنويع طرق إيصالهم المعلومة لطلابهم باستخدام وسائل متعددة غير المحاضرات المباشرة».

وبعيدا عن فاعلية العملية أو صعوبة استخدامها للبعض، تشدد البنا على أن «التواصل بين أفراد المجتمع المدرسي الآن ضروري لشحذ الهمم وإشعار الطلبة بديمومة الحياة باستمرار المسيرة التعليمية في وطننا الحبيب».