عمان - جوان الكردي

منذ بداية أزمة فيروس كورونا، وقبل شهرين تحديداً، رأينا كثيرا من الناس لم يأخذوا الموضوع على محمل الجدّ، الأمر الذي أدى إلى زيادة فرصة نتشار المرض.

ومع تتابع الأيام وتزايد مخاطر انتشار المرض، وتزايد علو صوت الحكومة والأجهزة المعنية وهي تدق الجرس وتحذر وتصدر تعليمات، ونحن نرى عدم التزام بهذه التحذيرات والتعليمات..

فرأينا أشخاصا يتحدون قرار إغلاق دور العبادة، ليصلوا جماعة أمام مسجد مغلق.. وهكذا.. لاحظ الناس إصرار أشخاص باعداد، على كسر القرارات وعدم الانصياع للتعليمات، والتربص لكل قرار حكومي لتحديه، وكأن الحكومة هنا في هذه الأزمة تصادر حريات المجتمع لمصلحة خاصة وليس حماية له.

رأينا فئة من الناس لم تلتزم بقرار الحجر لمدة أربعة عشرة يوماً، وهو عبارة عن حجر منزلي للتأكد من خلو المرض -، هذا الحجر الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى حصر الأعداد المصابة.

لم يمر سوى أيام على إعلان فرض حالة الطوارىء في البلاد وتفعيل قانون الدفاع، وما زالت هناك فئة رافضة للقانون، تصرُّ على خرقه، الأمر الذي دعا إلى إعلان حظر التجول..

وحتى هذا القرارجوبه من بعض الأشخاص بتحديه، رغم الخطر المحدق الذي اضطر الحكومة إلى اتخاذه،وهو ما جعل الأجهزة الأمنية تعتقل أعدادا بالمئات، ممن كسروا الحظر.

والسؤال هو، لماذا يلجأ هؤلاء إلى رفض تطبيق القانون، علماً بأن الحالة الجوية تتطلب المكوث في المنازل بسبب برودة الجو والأمطار الغزيرة، ناهيك عن إغلاق جميع الأماكن العامة وخصوصا المطاعم.

ضبط منخفض للذات

أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور رامي حباشنة يرى أنه علميا وفي عمق وتجليات أزمة فيروس كورونا فإن التفكير يجب أن يكون بشكل جماعي، ولا يصلح التفكير الفردي أمام تحديات مشكلة تشمل مجتمع بأكمله.

لذلك فأن التعويل الآن على سلوك المجموع الذي سيحدده الوعي العام والذي للأسف لم يتشكل علميا بصورة سليمة ويصبح جهل فرد واحد خطرا على وعي مئات الأفراد.

ويحلل حباشنة عدم انضباط شريحة من المواطنين وتجاهلهم القانون في ظل تعليمات تصدر في أزمة بحجم أزمة كورونا بأن «علم الجريمة والإنحراف يشير إلى الأشخاص الذين يحكمهم ضبط ذات منخفض».

بمعنى أن الشخص، حسب النظرية العامة في الجريمة، «لا يكفي أن يكون لديه اطلاع على قوانين وأنظمة وتعليمات تمثل ما يسمى الضبط الرسمي؛ بل يجب أن يتمتع الفاعل الاجتماعي بضبط ذات مرتفع بعيدا عن حس المغامرة واللامبالاة التي قد ينجم عنها كثير من السلوكيات الطائشة والمنحرفة».

ويفصل بالقول بأن «مخالفة القوانين تُظهِر لديه صفات التهور وقِصر النظر؛ فتتضاعف مآسي هذا السلوك إذا كانت مخالفة القانون تمثل ضررا جماعيا كما يحدث مع عدم المنضبطين أمام تعليمات صحية قد تسبب مخالفتها عدوى صحية واجتماعية على المدى الطويل».

ويؤشر الحباشنة الى أن عدم انضباط هؤلاء الأفراد تحت مبررات كثيرة منها «عدم تشكل الوعي النابع من ثقافة متوازنة وعلمية، وخلل في مؤسسات التنشئة الإجتماعية على المدى الطويل». ويعتقد صاحب هذا السلوك بأن مخالفته «تحقق لديه إشباعا للنقص الحاصل في هذا الجانب».

ولكنه يستدرك بالقول: «لا نملك أمام هكذا أشخاص إلا تفعيل العقوبات الرادعة وتقوية عامل الردع على مبدأ اللذة والألم في علم الانحراف؛ أي أن يجد من ألم العقاب ما يفوق اللذة المتحققة في نظره من مغامرة عدم الإنضباط للقانون ».

وبالتالي، يقول الحباشنة، إن العلاج الأنجح يكون «وقائيا» من خلال «إيلاء مؤسسات التنشئة الاجتماعية كل الأهمية لأفرادها لتعزيز قيم الصدق والإنتماء والانضباط لديهم لخلق ضبط ذاتي مرتفع عندهم يقلل من فرص انخراطهم في سلوكيات غير منضبطة للقانون».

الرفض لأجل الرفض

المستشارة التربوية بشرى عربيات تقول قد يكون الرفض لظنٍّ بأن هذا الفيروس غير معد، وهذا خطأ، أو لمجرد الرفض لكل قرار يصب في مصلحة الوطن، وهذه مصيبة لأن هؤلاء لا يؤذون أنفسهم فحسب، بل يتسببون بالأذى لكل فرد في المجتمع.

الموضوع الأهم هو مصلحة الوطن، والحرص على السلامة العامة لكل مواطن والحدّ من انتشار هذا الوباء، لكننا نرى أن بعض الذين عادوا للوطن قبل أيام، حاولوا التنصل من الحجر الصحي الذي يصبُّ في مصلحتهم قبل كل شيء.

وتشير عربيات الى أنه عندما تم إعلان الصلاة في البيوت، قام البعض بالصلاة جماعة في الشارع وكأنهم يقولون لن نستمع للقرار، يجب أن يعلم هؤلاء أن هناك قاعدة فقهية تقول «لا ضرر ولا ضرار»، وأنهم حين يساهمون في نشر المرض فلن يُقبل منهم سلوكهم.

وتنبه الى أن قرار الحظر جاء، كما يقال » آخرُ الدواء الكيّ » من أجل فئة استخفت بالقانون ولم تلقِ بالاً لما قد يسببه هذا الاستهتار، ولكن هل سيكون قرار الحظر هو العلاج الوحيد؟

برأي عربيات «لا وألف لا»، لأنه «حتى متى يستمر الحظر؟ وكيف يمكن التعامل خلال الساعات المسموح بها لشراء الحاجيات الأساسية؟».

وهي ترى لزاماً على جميع المؤسسات المعنية بدءاً من الإعلام والثقافة والشباب، مروراً بالتربية والتعليم، «بث رسائل توعوية من خلال الإذاعات والمحطات التلفزيونية والمواقع الإخبارية، ومواقع التواصل الإجتماعي. وفي حال استمرار بعض الفئات بعدم الالتزام فلا بد من اتخاذ الإجراءات الحازمة بحقهم.

فجوة الثقة

أخصائية الإرشاد النفسي ميادة عبد الهادي تبين أن هنالك العديد من الأسباب؛ منها «رفض بعضهم للاجراءات الحكومية، واقتناع آخرين بنظرية المؤامرة التي تتهم اميركا وإسرائيل دائما والقوى الاقتصادية الكبرى في العالم بكل نازلة ومصيبة تصيب عالمنا العربي».

وتلفت إلى أن فجوة عدم الثقة بين المواطن والحكومة، التي اتسعت في السنوات الأخيرة، ولّدت رغبة عند بعض الأشخاص «بمناوأة الحكومة وتحديها والسخرية من الاجراءات التي تتخذها، وأحيانا التقصد بإشال هذه الاجراءات».

وتوضح عبد الهادي أن ارتباط مفهوم الرجولة والقوة بمجموعة من القيم والسلوكيات الخاطئة يعبر بعض الرجال من خلالها عن «رجولته وفحولته بأنه لا يشعر بالخوف وكأنه يريد أن يثبت أنه ليس لديه مشاعر ضعف أياً كانت هذه المشاعر».

ومنبع هذه الفكرة هي «فكرة عقدة نقص خفية موجودة لدى الرجل وبخاصة الشرقي بانه ليس كفؤا وبأنه يفقد جزءا كبيرا من رجولته إذا أظهر مشاعره».

وتشير الى الحيلة النفسية التي تكلم عنها فرويد وهدف هذه الحيلة النفسية خفض مستويات القلق تسمى «رد الفعل المعاكس» عبارة عن اظهار مشاعر معاكسة تماما للمشاعر الحقيقية التي يشعر بها وبشكل مبالغ به.

وتبين بأن المشاعر الحقيقية التي يشعر بها الان الخوف لكن ردة الفعل تكون باللامبالاة والاستهتار بدلا من التعامل بواقعية وشجاعة

وتلفت الى التفسير والفهم الخاطىء لبعض الآيات والأحاديث النبوية مثل الآية «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤجَّلًا * وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا * وَسَنَججْزِي الشَّاكِرِينَ».

وبحسب عبد الهادي فإن نقص الاهتمام الاجتماعي والشعور بالمسؤولية المجتمعية وهي من أخطر الاسباب بأن الانسان لايشعر بتهديد وخطر حقيقي من هذا الفايروسالا اذا أصيب شخص من الاشخاص الذي نطلق عليهم «دائرة الاهمية له مثل المقربين او عائلته الصغيرة او اصدقائه.وهذا خطير جدا لانه ينتظر انتشار الوباء حتى يصبح لدينا ثقافة لاتباع اجراءات الحكومة.

وتشير الى ضعف المراقبة الذاتية لدينا نحن شعوب المنطقة، واإن كانت هذه النقطة يشترك بها الشعوب الأخرى مثل التجربة الصينية التي فرضت فيها الدولة قوانين صارمة جدا حتى تسيطر على الفيروس.

وتقول عبد الهادي: لأن طبيعة الانسان مراقبة ذاتية لنفسه ضعيفة وبحاجة دائما لسلطة تسيطر عليه أو توجه سلوكه، والهروب من الجلوس مع النفس، فالاإنسان الذي ليس لديه تصالح مع ذاته والذي لايقدّر ذاته يصعب أن يجلس مع نفسه ويحاورها بعقلانية.

وأيضا، تلفت إلى الهروب من الجلسات العائلية؛ «فبعض البيئات للأسف في بيوتنا هي بيئة طاردة وبالتالي لا يستمتع بالجلوس بالمنزل ويفضل الخروج، وإضافة إلى فقدان معنى الحياة أو وجود هدف أسمى نعيش لأجله؛ وبالتالي قيمة الحياة بالنسبة له ليست عالية حتى يحافظ على حياته».

وتبين عبد الهادي بأن الأولويات غير واضحة، ومرتبة بطريقة خاطئة؛ «أولوياتنا هي الجسد وملذاته وليس الجسد وصحته ومناعته، بالتالي ممكن أن يغامر بالخروج لشراء مكسرات لاشتهائه لها ولتمضية وقته، وهذه ملذة الجسد بالمقابل يغامر بحياته وصحته وعائلته».

وتنصح بأن يكون هنالك توعية أكثر بخطورة المرض وفرض القوانين الصارمة وعقوبات رادعة للمخالفين وتسليط الضوء على الذين أصيبوا بالكورونا والحديث عن صعوبة حجر الإنسان بعيدا عن أهله، ووسائل الاعلام يجب أن تكثف دورها هنا.