إربد- أحمد الخطيب

يتصدر مشهد غزو الوباء العالمي "كورونا" المسرح التفاعلي في العالم، لتنعقد حوله ماكينة حراكية ما زالت عجلاتها تدور في فلك الرعب والانتظار، إلى ذلك يتصدر مشهد الحراك العالمي بؤرة الانشغال بمواجهته من خلال جملة من اللوائح التي تنظمها خصوصية هذا الزائر وعدم السيطرة عليه، ضمن هذه اللوائح يقف المثقف الذي يتكئ على دوره في مواجهة الأزمات، مساهماً في تفعيل الإجابة عن كيفية الانتصار على هذا الكائن الخفي مجتمعياً، عبر تأطيره في جملة من الآراء والإبداعات التي تساهم في بث روح الجمال في نفوس المجتمع، وممارسة الدور الذي ينحاز دائماً إلى القيم العليا، في هذا التحقيق تستطلع " الرأي" آراء نخبة من المبدعين حول الدور المناط بهم في تحقيق السِّلم المجتمعي والتشاركية في خلق بيئة مناسبة في ظلّ الأزمات.

الشنطي: تحفيز الطاقات المبدعة

يقول الناقد د. محمد الشنطي ليس بخاف على أحد أن المثقف ضمير أمته شديد اليقظة و الحساسية لكل ما يمس كيانها ووجودها، وليس أشد أزمة مما نعانيه بوصفنا نعيش على هذا الكوكب الذي أصبح ميدانيا للاحتراب والصراع بأنواع الأسلحة كافة.

ويلفت النظر إلى أننا نواجه مع البشرية كافة امتحاناً عسيرا من نوع مختلف التبس فيه الأمر و حارت العقول، ولكن الكل متفق على أنه مأزق إنساني فريد علينا أن نعمل على الخلاص منه متعاونين، فنحفز الطاقات المبدعة ونوقظ المشاعر النائمة، فنبصِّر أبناء جلدتنا بما ينبغي أن نعيه من ضرورة العناية بالنظافة، والبصر بضرورة الإسراع في الإبلاغ عن كل ما يمكن أن يسبب انتشار الأوبئة، ونشر ثقافة التطوع، وإنكار الذات، ومساعدة الآخرين، والالتزام بالنظام العام لمقتضيات حالة الطوارئ، وأنه كلما كنا أكثر انضباطاً أسهمنا في إنقاذ أنفسنا وشعبنا من هذه الورطة التاريخية.

ويخلص الناقد الشنطي إلى أنه لا وقت للفلسفة واجتراح النظريات والتحليلات المتعالية وترف التنظير، علينا أن نكون عمليين ميدانيين، فالثقافة سلوك وممارسة، ولعلنا نرقى إلى مستوى المسؤولية.

الخوالدة: تحصين المجتمع

يؤكد الشاعر عاقل الخوالدة مدير ثقافة محافظة إربد ضرورة عمل النخب على رفع الوعي بأهمية التعاطي مع الحدث بجدية واتّباع التعليمات الطبية، وكون الحالة استثنائية فإن المجتمعات تحتاج للنخب المثقفة الواعية.

من جانب آخر يرى أن الفرق الطبية والخدمات العاملة في هذه الأحوال تحتاج لمساندة توعوية يشارك فيها المثقف للتعبير عن تكاتف الفئات الشعبية مع هذه الفرق مما يفعل دورها ويحفز طواقمها ويرفع من معنوياتها.

ويضيف صحيح أن غالبية أفراد المجتمع الآن في وضع يقيد الحركة والتواصل، إلا أن المثقف والمبدع يستطيعان تقديم منجز ثقافي عبر التواصل الاجتماعي يعبر عن وعيه ويرفع من وعي الآخرين بالحرف النقي أو اللون الجميل أو الكلمة الطيبة.

ويرى أن التوعية لا تقف عند مخاطر الوباء فقط، وإنما في مكافحة الظواهر الاجتماعية أو الاقتصادية الناجمة عن هذه الأزمة كتلك التي تظهر هنا وهناك في أسواقنا، فالمثقف يستطيع توجيه المجتمع والحفاظ على الاتزان ورفع الذائقة ونشر الفضيلة التي نحتاجها في هكذا مرحلة.

ويقول إن من الظواهر التي يلعب المثقف الواعي دورا هاما في مواجهتها وتحصين المجتمع منها، ظاهرة الإشاعات التي تفتك بتلاحم المجتمع وتحاول اقتياده لا قدر الله إلى فوضى فكرية وإثارة الرعب الذي يظهر على تصرفات المجتمع ويربك عمل وجهود المؤسسات التي تحاول خدمته.

ويخلص الشاعر الخولدة إلى إن دور المثقف والنخبة الثقافية في هكذا ظروف يساند الجهد الحكومي ويذلل كثير من الصعوبات في سبيل انجلاء هذه الأزمة بسلام إن شاء الله.

الزعبي: إبراز النواحي الإيجابية

يرى الباحث د. أحمد شريف الزعبي بأن الأزمات تظهر طبيعة الإنسان والمجتمع، ومدى الوعي لها، وكيفية مواجهتها، فالأزمة مثل أزمة الكورونا لا تفرق بين الناس، بل تجتاح المجتمع كله بما لها من آثارٍ سلبية على جميع مناحي الحياة.

يقع على عاتق المثقفين دورٌ كبير في مواجهة أية أزمة، لما يتمتعون به من وعي وثقافة أكثر من غيرهم، فهم الأكثر ملامسة للجمهور ومشكلاته ومعاناته، والكثير من المثقفين لهم تأثيرٌ قوي بين الناس، يتفهمون مشاكلهم ويقومون إما بحلها أو توصيلها لأصحاب القرار، فهم إذاً الأداة الفعالة في المجتمع.

ويوضح أن دور المثقف هو أن يكون إلى جانب الناس، يقوي من عزيمته، ويشد أزرهم، يعمل على إبراز النواحي الإيجابية، ولا يضخم السلبيات، لأن المجتمع إذا تكاتف وتعاضد على صنع الخير فعله، فإنه قادرٌ على اجتياز الأزمة بيسر وسهولة، فيقوم القوي بمساندة الضعيف، والقادر على مساعدة المحتاج، لأن الأزمات تظهر معادن الناس.

ويؤكد على دور المثقف في محاربة الإشاعة، التي تنتشر بين الناس بسرعةٍ كبيرة، فالإشاعة تقوض أساسات المجتمع، وأصحابه يسمون بالطابور الخامس، ودور المثقفين محاربتهم وكشف عوراتهم، فهم كالسوس الذي ينخر بالخشب. والطابور الخامس لا يظهر للناس، بل يختبئ خلف مصالح المجتمع، وصالحه منهم براء، وهم يدسون السم بالدسم، وربما أنهم مدسوسون من جهاتٍ أخرى، لا تريد للمجتمع خيراً

ويخلص الباحث د. الزعبي إلى أن دور المثقف في الأزمات يتجاوز دوره التثقيفي التوعوي، بل عليه أن يكون قدوةً في سلوكه وأفعاله، لأنه القدوة الذي يتبعه الناس، فهو كالمصباح الذي ينير الطريق له وللآخرين.

جرادات: التفاعل البنّاء مع إدارة الأزمة

يقول الباحث عبد المجيد جرادات في أتون الأزمات، تبرز الحاجة لدقة التنظيم وتنسيق الجهود والتعاون والتشاركية بين جميع المعنيين بإدارة الأزمة، ولأننا في بداية مواجهة محنة الكورونا، فإننا نشيد بكل الثقة بجهود الحكومة الأردنية وجميع الجهات المعنية بالحفاظ على حياة الناس.

ويضيف رئيس فرع رابطة الكتاب بإربد، بما أن الخطط البديلة وضعت حيز التنفيذ لمواجهة(جائحة الكورونا)، فلا بد من التوافق على جملة مبادئ، أهمها: تطبيق كل معايير التنسيق بين مختلف الفعاليات المعنية بإدارة الأزمة ومواجهة كل الاحتمالات، ومن هنا تبدأ مهمة أهل الثقافة والفكر النيّر بحيث يكون بوسعهم متابعة ما يُستجد ضمن بيئتهم الاجتماعية من تطورات.

ويؤكد أن نجاح مهمة المثقف في التعامل مع الأزمات يعتمد على مجموعة مقاربات يُمكن تلخيصها على النحو التالي: ضرورة توعية المواطنين الذين يتدافعون على المولات والمحلات التجارية للتزوّد بأكبر قدر ممكن من الحاجيات، بأن تكديس المواد في المنازل، سيعرضها للتلف وعدم الاستفادة منها بخاصة، وأن حركة السوق نشطة وسيكون بوسع أصحاب المحلات التجارية إعادة تزويد مستودعاتهم أولا ً بأول.

إلى ذلك يرى أن المثقف باستطاعته قراءة المشهد من زاوية المصلحة العامة، فيقدّم مقترحاته وتوصياته لكافة شرائح المجتمع، بحيث يضع يده على مواطن الجمال ولوحاته المضيئة لتكاتف المجتمع في مواجهة الأزمة، كما يضع يده على مواطن الخلل، بحيث يكون فاعلاً في توجيه دفة الحياة المجتمعية للتفاعل البنّاء مع إدارة الأزمة من قبل الجهات المعنية، كما باستطاعته التفاعل مع المشهد بإبداعاته المختلفة من قصائد ولوحات فنية ومقالات ذات صلة بالموضوع.

ويخلص الباحث جرادات إلى أنه لا بد من الإشادة بالروح الوطنية العالية وحس التناغم الذي يعكس روح الأصالة والتعاون بين أبناء هذا الوطن الجميل، إذ نلمس أن كل من يؤدي مهمة ( خدمية) يقوم بذلك على الوجه الأكمل وبدوافع إنسانية.

سعدون: اليقظة والوعي

يرى الكاتب والباحث شوكت سعدون، أنه ذات ملمات وأخطار تحيط بشعبنا والوطن، تكون اليقظة والوعي سيدا الموقف والانضباط المطلق، عنوان تحضرنا، والتعاون تأكيد رقي إنسانيتنا، والتفهم عقلنا الجمعي، والتكاتف أداة تصدي، وصدق جهودنا ومثابرتنا جميعا وجهدنا اليومي نهج أداء، وليس امام (تحدي كورونا) فحسب, وإن كان أحد التحديات, وإنما دوما ليكون وطن في العينين وشعب في القلب ووعي في العقل وصلابة في الإرادة وفولاذية في الانضباط.

ويزيد بأننا نريد لوحدتنا الوطنية التي تتعمق حين يتهدد الوطن كي يبقى وطنا عاليا كالغصن نلتحم إراديا به ونمد له سواعدنا وعقولنا ومعرفتنا لتبقى رفعة الوطن عالية منارة انتماء وولاء.

ويؤكد إذ يتهدد الشعب برزقه ومداخيله تنز رؤوس الاستغلال البشع تتصيد السوائح وتنتهز الجوائح وتبتز الشعب، إنهم تجار الاستغلال بالآم البشر، المستثمرون بمهددات الوطن وأمنه الوطني, ينبغي التصدي شعبيا بفضحهم ومقاطعة كل مستغل، ورسميا بتطبيق أقصى وأقسى عقوبة في قانون الدفاع عام 1992، موضحاً أن قوت أبنائنا ليس عرضة لاستغلالكم تجار وأثرياء أزمات الوطن والآم الشعب الاردني.

ويوضح أنه يتساوى في ذلك كل من يطلق إشاعة صغرت أم كبرت بوعي أو بغيره، ومن يستخدم وسائل التواصل بغير أهدافها, فالرشد الرشد والتعقل التعقل والضمير الضمير والوعي الوعي، إنها مواجهة الشر والإضرار بالوطن، إنها معركة وعي، معركة تمييز الخبيث من الطيب.

ويرى بأنه في غرة الانشغال الكوكبي بهذا المهدد الوجودي للجنس البشري علينا الانفتاح على أصدقائنا الحقيقيين الذين نجحوا في التصدي، نستمد منهم خبرة وعلما وإجراءً وتنظيماً, واعلاماً وتدريباً, فنحن لسنا معزولين عن العالم. لتكن مرحلة فرز.

ويلفت الباحث سعدون النظر إلى جيشنا العربي بأفراده وضباط صفه وضباطه الحاضرين دوماً كتفاً الى كتف معنا, ينهض كعادته، ودأبه جيشا وطنياً أردنياً يعكس وحدتنا الوطنية ويعمقها دوماً يرص بنيانها ويعلي كيانها و يحفظ أمنها, فقبلة عزّ وفخار نطبعها على جبين أبنائنا في الجيش العربي الأردني.