إربد - أحمد الخطيب

حظيت الأم في ذاكرة المبدعين بمكانة بالغة الأهمية، فشكلت مدارات متعددة في أعمالهم، وقوفاً على قدسية السر الخفي المرتبط بها في أوجهه المختلفة، فالروائي نجيب محفوظ الحاصل على جائزة" نوبل" في الأدب عام 1988م، يؤكد بأن أمه لعبت دوراً إيجابياً في تشكيل شخصيته، وتحديد مساره الأدبى، رغم أنها لم تكن تجيد القراءة والكتابة، فلقد علمته الحياة؛ كانت مخزناً للثقافة الشعبية؛ دائماً ما تأخذه معها في زيارتها للمتاحف ومشاهدة الآثار الإسلامية والقبطية دون فرق، وهو طفل صغير، ولا ينسى أحد منا « أمينة» الأم في ثلاثية نجيب المشهورة- بين القصرين، زقاق المدق، السكرية- التي رسمها بقلمه نموذجاً للأمهات الطيبات الوديعات المتسامحات المتفانيات في خدمة الأسرة والأبناء.

أما شاعر المهجر جبران خليل جبران كان يعتبر أمه هي السكن والوطن في بلاد المهجر، فهي الأم التي قررت أن تبحث عن مستقبل أطفالها في آخر الدنيا، ربما يجدون سعادتهم هناك، حيث سافرت أمه مع جبران وإخوته إلى أمريكا وامتهنت الخياطة، وهذه الحياة صنعته، وعن ذلك قال: أمي تخاف عليّ من الحياة وأنا أخاف الحياة من دون حامٍ، وقال: أمي أجمل ثلاث نساء في العالم؛ أمي وظلها وانعكاس مرآتها، ولما رحلت وجبران في شبابه تركت قلبه فارغاً وبفلسفته لخص وجود الأم في كل بيت كالنور فقال: كل البيوت مظلمة إلى أن تستيقظ الأم.

إلى ذلك لم تغب الأم عن النص الإبداعي الأردني، وهي كلمة لها سرٌ غريب وعظيم، ولها تأثير ينطبع على المساحات الإبداعية في لحظات الفرح والحزن، النجاح والإخفاق، المرض والعافية، والغربة والاغتراب، وهي مفردة تكاد لا تخلو منها تجربة إبداعية، في هذا التحقيق يحاول بعض المبدعين الوقوف على هذا السر العظيم.

الخطيب: ليست بعيدة عن الأسطورة

يقول الناقد د. عماد الخطيب في موجة التداخل بين الرغبة والحاجات، وتماهي استشراف صعوبات المستقبل مع الحاضر، تبقى حقيقة واحدة لا خلاف فيها هي أن كاتمة الأسرار هي الأم وحدها.

ويؤكد أن البشر يتفقون على رغبتهم في أن تكون لهم أم، ولا يختلف اثنان على أهمية العيش معها، مع خلاف بينهم في أي تلك الفترات أكثر أهمية؛ فرعايتها لصغيرها مبدأ إنساني عام، أمّا تحملها لأطفالها ومن يكبر منهم، ورؤية نفسها بهم، وإن كبروا، فهو أمر نسبيّ.

ويرى أنها الإنسانية في التعايش، فمنذ أن صورت القصص الأسطورية الأم بالبحر، والسماء، والغيم، والكنز، وذات الوجوه السبعة، والكرة الولود، ونحن نفكر في ارتباطها بتلك الصور لا يوجد منها صورة سلبية واحدة، فلم تعش الأم حربا، ولم تتنازل عن ابنها، ولم تصنع شرّا قط!

ويؤكد أن الأسطورة هي القصة الأكثر تلاصقا مع فكر الإنسان، باعدت بين الشر والأم، وحمّلت صورة الأم معاني الخير كلها. إنها الأم صاحبة الرؤوس السبعة: رأس لكل ابن لها ورأس لزوجها ولا رأس لها، وإنها البحر والسماء والغيم والكنز بما تحمله من خير، وإنها الكرة الولود التي حافظت على إنسانية الكوكب، ولما تخيلنا الكوكب دون أمّ، تخيلنا بشرا ليسوا كالبشر؛ لا جنس لهم يحدد صورتهم، ولا يقدرون على التمييز، وتتساوى حياتهم مع بقية كائنات الكوكب، وهذا ما حصل عندما تخيلنا حياتنا الجديدة: الطعام مكونات حبوب غذائية، والعلاقات عبر مواقع التواصل الاجتماعية، ولا فرق بين أن يعيش الطفل مع أم أو أب أو حتى من يقوم على تربيته إن كان سيكبر في كون لا يعترف بالعاطفة.

ويضيف الناقد الخطيب بأن العاطفة ليست من الكلمات الميتة في قاموس الكون الجديد، ولا هي بعيدة عن الأم الأسطورية، ولكنها صنعت قائدا، ورسمت خطّا لحكماء، واتصلت بمعايير اقتباسات تاريخية ما زالت شواهد لا يعرف سرّها: إنها السرّ الذي لا يخترق، وإن لها رقما سريّا يصعب اكتشافه؛ فلم يرها أحد، ولم يسجل أرقامها ورموزها وحروفها أحد. فإن لم تعشها مع أمّك، فأنت لم تعشها، ولا يمكن لك أن تصدرها إلى غيرك.

عاصف: الأم أوّل أيقونة للذاكرة

"الشمس والبدر منذ الخلقِ ما التقيا ووجه أمِّك بالضوءين يجتمعُ"، هكذا وصف الشاعر مظهر عاصف الأم حين انثالت بالدعاء الصامت القلبيّ يوما, فلا أبلغ من عينِ الأم إذا نظرت كما يقول, ولا أفصح منها إذا صمتت، فهي الوحيدة التي تمارس حبّها غير المشروط دونما مقابل, وهي الوحيدة التي تتحول الكلمات على شفتيها لنغماتِ بيانو تتنافس فيما بينها لتروق للقلبِ الذي يحتاج لوسادةِ أنغامها لكي يرتاح.

ويؤكد أن الأم أول أيقونةٍ للذاكرة, وأول صورة تعلّق على جدران القلب, وأول زجاجةٍ عطرٍ تفوح في الروح المتشبثةِ بتلابيب أنفاسها، من هنا، تبدأ الرحلة، يبدأ الزحف على يديها ثم ثديها ثم جسدها الطهور، ومن هنا ندرك أن الوطن تتهجى حروفه من همساتها ومناغاتها, ليتشكل بعدها خارطة من اللحم والدم والتراب؛ مانحا لفطرتنا الحقّ أن نسافر عبر ترانيمها وهدهداتها إليه.

ويرى الشاعر عاصف بأن القصيدة تُخبز كما تُكتب, وتطهى كما تُخط, وتقال كحكايا ما قبل النوم كما يصدح بها على المنبر، يحدث هذا فقط إن صدرت من الأم، يحدث هذا فقط إن أرادت لها الأم أن تكون كذلك, ضمن رؤيتها وفلسفتها وطبعها السيمفوني الأنيق، قد نقولها وقد نتفوه بها وعنها، لكننا حتما سنصمت في لحظةِ الحقيقة, أي: لحظةِ اللقاء, أو الفراق.

العمري: كيف ترحل الأمهات

وفي رؤية وجدانية تقول الشاعرة إيمان الصالح العمري عن الأم: ما تراه لا تراه، تعبرك في جميع اتجاهاتك؛ غائبة كانت أم حاضرة، حية تظللها السماء أم ميتة عبرت السماء، هي الخريطة التي تعبر بها من حيث تدري وكثيراً لا تدري، قديسة أو نبية أو صفيتك في قرآن الحياة، هي معبدك الذي لا تشرك به شيئاً في عظيم العاطفة، وهي حلم الأرض للأرض الممتدة في الروح إلى حيث أعظم ضوء يكسو ربيع حضورك، هي التي تناولك كلّ يوم صفحة مقدسة من عهد آدم إلى لمسة قلبك لتضج بين جنبيك في كل نبضة حياة.

وتؤكد أن أمها مدّت لروحها أن حيّ على الحياة... ثم عبرت لدائرة الموت وتركتها تنتظرها على الضفة الأخرى لتتعب قصائدها وأبجديتها في مناجاة التراب وفلسفة التراب وهلاك حبيبة العمر في نضوج الأجساد على مواقد المقابر لنزفّ الأمهات هناك، يا الله، كيف ترحل الأمهات؟ كيف نغادر الحبل السريّ وما زالت أصابعنا تمتد إلى غذاء الرحم إذ يبلل من ريقنا الحياة، فمن للحياة بعد الحياة.

وتشير إلى أن لديها رغبة كبيرة بالبكاء والقصيد ونفث آهات الألم، هي إذ تسافر يداها بيديها وتدرك أنها تقيم بزنزانة وجع فراقها إلى الأبد، حين تلقى الله، ستتمنى كثيرا كثيرا ما حرمتْ منه من دنياها ستطلب منها خبز الطابون ورائحة الزيت وضحكة العينين ولمسة اليد الحانية والغوص في أحضانها، كأن تتصل مثلاً على هاتفها، وتقول لها، هلا يمة.

وتضيف بأن قلبها في لحظة يعود طفلاً، يتنفس الفجر صلاة من مصلاها، من دعائها، من سجودها، وترش العطر وتضمخ قلبها بندى حبها ولا تستفيق.

بالأمس كان الحرف طوع لسانها كما تقول، والكون يأسره صدى تحنانها واليوم عصتها أحرف، وتجمدت فوق اللسان معاني هول المصيبة، كشرت أنيابها، يكوي العميق حداؤها، لهذا ما عادت تتقن غير ذكراها باكية ومع النحيب تفجرت أشجانها.

وتخلص الشاعرة العمري إلى أننا نحتاج للاستسلام لحقيقة القدرة الإلهية المطلقة؛ اللحظة التي تنبت بها ألف سنبلة لمعنى وجود أم في الوجود، نحتاج لحظة صلاة استسقاء لإدراك معنى وجود الأمهات، لحظة بهية ندية تبتلع بها قطع النور لنستطيع العودة باندفاع، لنحتمل وجع العيش وأهوال الطين.