د. فراس أحمد الطقاطقة

مستشار التأهيل اللغوي والسلوكي لذوي الإعاقة

قطعت المجتمعات في عالمنا المعاصر شوطا كبيرا في العناية بالأفراد ذوي الإعاقة، لتخفيف المعاناة والصعوبات التي تواجههم. وقد عمد الباحثون إلى إيجاد الوسائل والبرامج والخدمات التي تُحسن حالة هؤلاء الأفراد ليكونوا بمستوى الأفراد العاديين، وذلك من أجل الاتفاق مع الحقيقة التي تشير إلى أن التربية الحديثة التي تسود عالم اليوم تراعي حق كل فرد من الانتفاع بالخدمات التربوية التي تساعده على النمو والوصول إلى أقصى مدى تؤهله له قدراته. لذا لا بد للتربويين من إيلاء هذه الفئة اهتماما خاصاً في تعويض ما فقدوه، ومن ثم معالجة ا?آثار المترتبة على قدراتهم، ونفسيتهم، وحياتهم، ومستقبلهم.

وفي هذا المقال القصير سوف نسرد بعضا من واجبات الدول والمجتمعات تجاه ذوي الإعاقة -من اجل الاستثمار الامثل لقدراتهم- ومن هذه الواجبات:

اولاً: ضرورة تطوير ميدان التدخل المبكر نوعيا وجغرافيا، لان نسبة الأطفال الذين يحتاجون خدمات التدخل المبكر اكبر بكثير من النسبة الضئيلة التي تصل إليهم فعليا. هذا بالإضافة الى ان الخدمة من قبل الجهات المختلفة ليست شاملة او متكاملة وأغلبها مقصور على عمان والمناطق المجاورة. في حين ان التدخل المبكر يطرح نفسه اليوم بكل قوة نتيجة الحقائق التي أظهرت أهميته وفاعليته على مستوى تطور أداء الطفل والأسرة والمجتمع.

ثانيا: ضرورة تعليم الطلاب ذوي الإعاقة في بيئات الدمج الشامل التي تكفل لهم بيئات طبيعية للتفاعل مع اقرانهم العاديين من خلال المدرسة العادية والفصل الدراسي العادي.

ثالثاً: ضرورة اعادة النظر في تمكين معلمي واختصاصي التربية الخاصة، رغم تطور البرامج والخدمات الاساسية واستراتيجيات القياس والتشخيص والتدريب، في ضوء جملة من المعايير والمؤشرات العالمية، الا ان هذا الميدان ما زال ينتظر تحسين أداء معلم التربية الخاصة ليصبح معلما معاصرا ومتميزا يمتلك كفايات ومهارات أساسية ومتخصصة لتلبية متطلبات العملية التربوية والأدوار المهنية المتخصصة والتي يجب ان تتوافق مع مهارات المستقبل.

رابعاً: ضرورة تحسين جودة حياة الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال الاستمتاع بالظروف المادية في البيئة، وإشباع الحاجات والرضا عن الحياة. وكونهم من الفئات التي تحتاج الى رعاية خاصة، فهم ينظرون للحياة بنظرة تختلف عن الآخرين، كما تتأثر نظرتهم للحياة بظروف الإعاقة وما يحصلون عليه من خدمات ودعم اجتماعي، مما يؤكد احتياجهم إلى خدمات تساعدهم على التوافق مع ظروف الحياة.

خامساً: ضرورة تفعيل التشريعات والقوانين التي تراعي وتضمن مصالح الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث ضمن قانون ذوي الإعاقة–في كافة الاتفاقيات الدولية- حقوقهم في المجالات التعليمية، والصحية من حيث التشخيص المبكر للإعاقة والعلاج الطبي بأنواعه، والخدمات التعليمية والتأهيلية والتشغيلية بما فيها التدريب والتأهيل المهني، وإمكانية الوصول للأماكن العامة، وعدم الاستبعاد من التعليم الأساسي والثانوي، وتوفير التدابير الفردية التي تساعدهم على التعلم. إن إصدار هذه التشريعات والقوانين التي تضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف مجالا? الحياة تعكس حرص المجتمعات على تطبيق الاتفاقيات الدولية التي تكفل حقوق هذه الفئة وفق الرؤى والتطلعات الحديثة في العالم.

سادساً: متابعة ومراجعة «قانون التشغيل والتوظيف للأشخاص ذوي الإعاقة» حيث تكشف الإحصائيات إلى تدني النسبة الحقيقية المخصصة لذوي الإعاقة للعمل بالمؤسسات المختلفة، بالمقارنة مع النسبة المعلنة (4%)، والتي لا يتم تفعيلها بالصورة المطلوبة، ومن هذا المنطلق يجب العمل على تأهيل وتدريب ذوي الإعاقة ومساعدتهم على الحصول على التكنولوجيا المناسبة لتشجيع القطاع الخاص على تعيينهم، باعتبارهم قوة فعالة في المجتمع ولديهم من القدرات ما قد يفوق غير ذوي الإعاقة في إنجاز الأعمال، وهذا لن يتحقق إلا بتمكينهم وتغيير ثقافة المجتمع في?النظر لهم.

سابعاً: الإعلام ودوره في تشكيل الثقافة الايجابية للتعامل مع ذوي الإعاقة:

قد لا نكون بحاجة إلى بيان دور الإعلام في هذا المجال، وتغيير اتجاهات الرأي العام نحو ذوي الإعاقة، لكن من الأمور الملاحظة أن الإعلام بصفة عامة–وبعض المسلسلات والبرامج التلفزيونية بصفة خاصة–كثيرا ما يتم التركيز فيه على جوانب الضعف لذوي الإعاقة لا لجوانب القوة لديهم، كما يتم إظهار ذوي الإعاقة في صورة مهمشة، وقليلا ما نرى عملا فنيا يحفز المشاهد ليؤمن بأنهم يستطيعون إحداث تغيير في بيئاتهم ومجتمعاتهم، والقيام بأمور خارج النطاق المعمول به والمتوقع منهم، بحيث يتخطون انفسهم ويصبحون شركاء في التنمية والإصلاح، ليس فقط?في الجوانب التي تخص الإعاقة، بل في جميع المسائل المهمة التي تتعلق بالمجتمع والعالم.

ثامناَ: ضرورة إحداث تغيير في الثقافة المجتمعية تجاه ذوي الإعاقة، من خلال دمجهم في نشاطات المجتمع المختلفة، وتفعيل توظيف ذوي الإعاقة من الاناث، واشراكهم بالإعمال التطوعية جنبا الى جنب مع غير المعاقين، واظهار قدراتهم العالية على انجاز المهام. وهنا يبرز دور الإعلام في إثارة الوعي والرأي العام بأسباب الإعاقة ومصادرها والتعامل معها في إطار الخدمات المتاحة على نطاق المجتمع كله، وغيرها من الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإعلام، والفنون الإبداعية من سينما ومسلسلات والمؤسسات الثقافية والتعليمية، مما يشكل ما نطلق علي? «ثقافة الإعاقة» حتى يمكن تشكيل رأى عام موضوعي لمواجهة مشكلات الإعاقة والتعامل معها برؤية أكثر شمولا وتنظيما، وبالأسلوب العلمي الصحيح.

لقد حاولنا في هذه المقالة إلقاء الضوء على قضية تعد- وبكل المعايير من القضايا التي لم تنل بعد من الاهتمام الذي يليق بها، وبأبعادها الإنسانية- وهي وليس غيرها قضية ذوي الإعاقة، باعتبارهم مواطنين فاعلين، وبالإمكان استثمار طاقاتهم وإمكانياتهم إلى أقصى حد ممكن، عن طريق التعليم، والتأهيل والتدريب، وتذليل كافة الصعوبات التي تواجههم.