عمان - جوان الكردي

منذ بدء انتشار فيروس كورونا عالمياً، لاحظ الكثير من الناس أن هناك مَن اتخذوا مواقع التواصل الإجتماعي منبراً للسخرية والاستهزاء من هذا المرض الذي صنِّف على أنه وباء عالمي.

ومن خلال التغريدات والمنشورات التي سبقت اكتشاف أول حالة للمرض في المملكة، جعل كثير من الأردنيين من هذه الجائحة مادة خصبة للسخرية وانغمسوا في تسخيف الأزمة وتسطيحها.

وهم يعددون أسبابا مفترضة لعدم ظهور الكورونا في الأردن، من مثل القول بأن المرض أشفق علينا لأن الشعب يعاني أصلا من الفقر والبطالة، أو أنه يكفينا الحكومة ولسنا بحاجة إلى مصيبة أخرى.. وغير ذلك..

ثم ما إن ظهرت أول حالة، حتى انقلبوا جميعا إلى التعريض بالشخص المصاب وجعلوه مادة تلوكها ألسنتهم ليل نهار، وبصورة باعثة على الأسى والحزن.

وتم نشر تعليقات عن الكورونا، منها على سبيل المثال لا الحصر:

«المهم اجتنا الكرونا من ايطاليا مش من الصين.. احنا بنحب الماركات»، «ولا زي كأنه اول يوم كورونا لاعطش ولاجوع الحمدلله»، «اللي بده يتزوج هذا وقته لا حفلة ولا سفر ولا مخاسير»، «منظمة الصحة العالمية تسأل الأردن: كم حالة كورونا سجلتم لغاية هذه اللحظة؟ الأردن :روح على الخاص»، و«كورونا تعلن خلو الأردن من وزارة الصحة».

وانتشر العديد من الفيديوهات التي تُمسخِر الكورونا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أطلقت أغاني، بعضها مدبلجة ومحوّرة، حول «الكورونا».

تراكمية الضغوط الاجتماعية

استاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور رامي حباشنة يرى أنه يمكن التعليق سوسيولوجياً (أي وفق علم الاجتماع) على ردود أفعال كثير من الأردنيين التي تنزاح نحو السخرية في كثير من المحكات والاختبارات الاجتماعية بسبب «تراكمية الضغوط الاجتماعية عبر سنوات طويلة، والتي جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتفسح المجال من خلالها للتعليق على أي خبر تحت باب السخرية والدعابة».

ويلفت إلى أن ذلك امتداد كعدوى إجتماعية تفشت بين المواطنين كواحدة من الحلقات التنفيسية للضغوط، وتنتشر هذه الظاهرة في كثير من المجتمعات باختلاف الثقافات..

لكنها، والحديث للحباشنة، تأخذ خصوصية نوعا ما داخل المجتمع الأردني حيث تشوب هذه السخرية حالٌ من الخطر لجهة عدم قراءة المشهد بالشكل الصحيح وعدم أخذ التنبيهات على محمل الجد».

ويشرح حباشنة بالقول: «شاهدنا وسمعنا كمثال حول آلية الوقاية من فايروس كورونا بمنع المصافحة والتقبيل، تعامل معها الأردني بأن كان يصافح ويقبِّل ويُتبِعها بجملة: «هو صحيح كورونا بس والله انك غالي» ثم يتبعها بضحكة ساخرة، وما تبع ذلك من منشورات تأخذ أي إجراء وقائي على محمل السخرية».

ويؤشر هنا إلى أن هذا منبعه «أن الأردني إلى الآن يعتقد أن السخرية من فايروس كورونا هي كالسخرية من أي قرار رسمي سابق لم يرُق له، وهذا اعتقاد خاطئ؛ حيث أن تبعات انتشار كورونا تتعلق بالنفس والأرواح البشرية في حال تفشي حالات عديدة أو وفيات لا سمح الله».

لكنه يستدرك بالقول: «حسب المؤشرات والقرارات الحكومية المتخذة ستقل درجة السخرية تدريجيا بعد الإجراءات الواقعية الأخيرة التي ستبدأ تمس تفاصيل الحياة اليومية وتغير كثير من العادات اليومية إجباريا بعد التيقن من معادلة التغيير أمام الحفاظ على النفس والأشخاص المقربين».

فجوة الثقة

الصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية فيصل التميمي يرى أن السخرية تأتي نتيجة الضغوط التي يواجهها المواطنون من ضغوط اقتصادية اجتماعية.. إلخ.

ويلفت إلى أن المواطن لديه حس الفكاهة، وبذات الوقت لديه حس عاطفي، لذلك؛ أي شيء له علاقة بالحكومة يتندر المواطنون وينطلق حس الفكاهة للتعبير عن عدم ثقتهم بالحكومة واجراءاتها؛ مثل الثقافة الاقتصادية والسياسية من حيث المديونية والخطوة الخمسية والعشرية وبالنتيجة انتظروا لم يروا شيئا على أرض الواقع.

ويفصل بالقول أن القصة «ليست محصورة بالأردن.. فهنالك دول أخرى تطلق السخرية، حتى دول أوروبا نفس الأمر، لكن؛ نحن نعطيها تركيزا واهتماما لأنه من شأننا المحلي ونتابعه بشغف».

وبالتالي، يقول التميمي: تعتبر قصة أيجابية وليست سلبية حتى نأخذ الأمور بأعصاب مشدودة وعصبية وغير ذلك».

وبإطار غير ذلك «تتفشى السلبية أكثر وتصبح مواضيع أخرى كثيرة مثل اغتيال الشخصيات».

وبعتقد التميمي أن السبب الرئيسي لانتشار السخرية هو «عدم ثقتهم بالحكومة»؛ لذا «يجب الاشتغال على أن يكون هنالك تعزيز للثقة بين الحكومة والمواطن، فغياب الثقة بين الحكومة والمواطن ينتشر حس الفكاهة».

وهذه برأيه «مسؤولية الحكومة بمختلف أجهزتها بالدرجة الأولى؛ بأن تتعامل بمنتهى الشفافية والصراحة والوضوح مع المواطنين ومع وسائل الإعلام، وتوفِّر المعلومة الدقيقة والصحيحة أولا بأول لوسائل الإعلام».

وهذا، كما يؤكد التميمي «يحد كثيرا من انتشار الشائعات ويقلل من إطلاق النكات والسخرية».

تخفيف الضغط

ووفق أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي بجامعة مؤتة الدكتور أحمد أبو أسعد، فإن الناس تلجأ للسخرية «لتخفيض الضغط، ويكون طريقة للتعامل مع الحدث».

ويتفق أبو أسعد مع الحباشنة والتميمي في أن السخرية «موجودة في معظم دول العالم وليس فقط في الأردن».

وهو يرى بأن الدوافع النفسية للسخرية هي «طريقة للهروب من الحدث الضاغط وطريقة للتعامل معه بطريقة مختلفة».

وينبه أبو أسعد إلى أن المخاطر تكمن في حالة «وجود الحدث فعليا يجد من الصعب التعامل معه»

ومن أبرز هذه المخاطر «عدم القدرة على التعامل مع الحدث حال تزايده بشكل فعلي وصعوبة التعامل معه وانحسار المرونة في التعامل مع الحدث».

نشوء جيل مستهتر

المستشارة التربوية بشرى عربيات تقول إن انتشار ثقافة السخرية والاستهزاء أخيرا بين فئات المجتمع، أكانوا متعلمين أو مثقفين أو طلبة جامعات ومدارس، بات مؤشراً يدعو إلى القلق..

فالقلق على المجتمع كافةً من اتخاذ الأمور باستهزاء، الأمر الذي يفضي إلى التهاون بالإجراءات الوقائية وبالتالي ينتشر المرض، وربما يصل إلى مرحلة لا تُحمد عقباها».

وتنبه إلى أنه يجدر بأساتذة الجامعات والمدارس أن يساهموا في نشر الوعي بين جيل الطلبة، والمساهمة في تعزيز الإجراءات الوقائية بدلاً من تقبُّل ما يصدر من سخرية واستهزاء، ذلك لأن دور المعلم المربي لا يقتصر على إعطاء المادة العلمية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى غرس مفاهيم قيمية ترقى بالجيل الحالي والقادم إلى مستوى يليق بما نصبو إليه.

سلوك غير مسؤول

للأسف الشديد، تقول عربيات؛ لم نلاحظ دورا توعويا لأي من الجهات التربوية الرسمية أكانت نقابة المعلمين أو الجمعيات التربوية، إضافةً إلى وزارة التربية والتعليم، والتعليم العالي».. حتى أن «تعليق دوام الجامعات الخميس الماضي جاء بعد الثانية بعد الظهر، ما أدى إلى تدافع آلاف الطلبة في وقت واحد وتوجههم إلى الحافلات، التي لم تكن متوافرة بالعدد الكافي.

وهذا برأيها «سلوك غير مسؤول من التعليم العالي، وهذا السلوك لا يقل أهمية عن الإستهزاء والسخرية بالمرض؛ وذلك لأن انطلاق الألوف من الطلبة في نفس الوقت في موسم المرض المنتشر أمر خطير جدا».

وتشير هنا عربيات إلى مخاطر هذه السلوكيات على المجتمع، وأولى هذه المخاطر أن يتهاون الناس في الأخذ بالإجراءات الوقائية في أماكن التجمعات أكانت في المدارس أو الجامعات وفي المولات، وبالتالي يتسارع معدل انتشار المرض.

أيضاً «لا بد أن نشير إلى جانب تربوي مهم، وهو أن هذه السلوكيات تؤدي إلى نشوء جيل مستهتر، لا يتحمل المسؤولية، ولا يقدِّر حجم المخاطر التي قد يتعرض إليها يوماً ما، أكان نتيجة وباء عالمي أو أي طارئ آخر».

في المقابل، صدرت أخيرا العديد من المنشورات والتغريدات التي تطالب بالتوقف عن مسخرة الأزمة والتعامل جديا معها ومع التحذيرات والإجراءات الحكومية والالتزام بها ووقف التشكيك بها أو تقليل أهميتها والتنمر عليها أو على المصابين.

وأخذت هذه المنشورات والتغريدات تتزايد وتطغى في الأيام الأخيرة وخصوصا مع تعطيل الجامعات والمعاهد والمدارس وإغلاق دور العبادة، وارتفاع عدد المصابين ليقترب من رقم «العشرين».

وهذا يؤشر إلى أن الناس ملت، إلى حد ما، من السخرية، كما أصبحت أكثر وعيا حيال الإشاعات، وباتت تحس بجدية المسألة وخطورة انتشار الوباء عليهم وعلى أهاليهم وأحبائهم ومعارفهم. ولعل ما بذلته الحكومة من إجراءات، والتحذيرات الحادة والجادة التي أوصلتها عبر وسائل الإعلام أحدثت تأثيراتها في العقلية المجتمعية المتلقية.. وإن كان مطلوبا منها ومن الإعلام ومن المواطنين تحديدا بمختلف شرائحهم ومستوياتهم الثقافية، المزيد.. فهل نفعل؟