عمان - رويدا السعايدة وغدير السعدي

منذ تسجيل أول حالة كورونا في المملكة قبل أكثر من أسبوعين، بدأ الناس يلاحظ سلوكات جديدة من خلال تزايد الاهتمام بالنظافة بكثافة على مستوى الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة مدفوعا بوعي احترازي بداعي الإحساس بالخطر.

وبدأ القلق الزائد حول النظافة يشكل هاجسا كبيرا للمواطنين خشية الإصابة بالفيروس (كوفيد_19) وهو ما تبدّى جلياً في السلوكات في المناسبات الاجتماعية وتغيير نمط العلاقات الاجتماعية

وبيّن خبراء، في تصريحات إلى «الرأي»، أن اتِّباع الأنماط السلوكية في الأزمات والكوارث قد تترك أثرا على السلوك الثقافي لتصبح ممارسات مجتمعية فيما بعد.

مرحلة حرجة

اختصاصي السلوك الإنساني الدكتور خليل الزيود يرى أن المرحلة تتطلب من الجميع الامتثال لتوصيات المختصين في اتباع الإجراءات الوقائية فيما يتعلق بالمرض، والمحاولة في نشر المعلومة الدقيقة تبقى واجبا على الجميع.

وطالب الزيود المواطنين بعدم أخذ الموضوع تهريجا؛ «فنحن أمام أزمة حقيقية تتطلب الالتزام بالارشادات واتباع التعليمات والإنصات للجهات المعنية».

ولاحظ الزيود ظاهرة تصُّيد الأخطاء من قبل مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي فيما يخص التصريحات الحكومية، وحضَّهم على تجنب الأمر والالتفاف حول المؤسسات الرسمية لتخطي أزمة كورونا.

ونصح الأهالي بضرورة اتّباع منهج الترغيب والترهيب مع أبنائهم في التعامل مع الأزمة من خلال تعليمهم آليات النظافة العامة والالتزام يها.

وما بعد كورونا، يرى الزيود أن الأمر يتطلب العودة إلى الحياة الطبيعية بمختلف جوانبها واعتبار الأزمة حالة استثنائية.

مسؤولية مجتمعية

وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الدكتور محمد الخلايلة يقول إن تعميم الوزارة على جميع العاملين في المساجد بالالتزام التام بالإجراءات الوقائية ضد انتشار فيروس كورونا المستجد يأتي تنفيذا للقرارات التي اتخذتها الحكومة بهذا الخصوص.

وأضاف الخلايلة بأن هذا القرار جاء للحفاظ على الصحة العامة، وهو يتفق مع الشريعة الإسلامية التي وضعت مقاصد عامة وعلى رأسها الضرورات الخمس وأهمها حفظ الحياة الإنسانية.

وأشار الخلايلة للتوجيهات النبوية الشريفة بهذا الباب، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ علَى مُصِحٍّ.» وكذلك ما روي في الصحيحين: «أن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قال لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلاَ تَقُلْ حَيّ عَلَى الصَّلاَةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي » وذلك مخافة المشقة والأذى على المسلمين فكيف هو الحال مع ما نمر به من خطر هذا الفيروس.

وبين الخلايلة بأن الأرض كلها مسجد، كما جاء في الحديث الشريف، فمن أدركته الصلاة يستطيع الصلاة في مكانه.

ودعا الخلايلة إلى ضرورة تغيير العادات والسلوكيات لدى المواطنين وعدم المصافحة بالأيدي أو التقبيل والاكتفاء بالسلام عن بُعد والتقليل من التجمعات، والتي من الممكن أن تصبح في المستقبل سلوكيات تخفف الأعباء الإقتصادية على المواطنين في التجمعات الإجتماعية مثل تكاليف بيوت العزاء.

وأضاف «إن الحفاظ على سلامة المواطنين تتطلب من الجميع ضرورة الالتزام بالمسؤولية الإجتماعية التي تقع على كاهل كل مواطن للوقاية من إنتشار الفايروس، والالتزام بالمنازل وعدم الخروج إلا للضرورة.

ولفت إلى ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية وإرشادات السلامة العامة والنظافة حتى نساهم في الحد من انتشار هذا الوباء، وهو ما تتضمنه مقاصد الشريعة الإسلامية.

رسائل التوعية

ودَعت المستشارة في معهد الإعلام بيان التل الصحفيين والإعلاميين إلى نقل صوت الخبراء وتكرار الرسائل التوعوية بشكل كبير، خصوصاً في في ظل التطورات التي طرأت أخيراً وزيادة أعداد حالات المصابين بفايروس كورونا، ونقل صوت الخبراء والمعنيين للمواطنين.

ونبهت التل، المشرفة على ملف التربية الإعلامية، إلى ضرورة ألا يتجه الإعلام إلى المواطنين في التقارير الميدانية، لأن مصلحة المواطنين هي في الاستماع لنصائح الخبراء في ما يتعلق بالنظافة الشخصية وتغيير العادات والسلوكات، ونقل المعلومة بشفافية حتى نفيد المواطنين.

ودعت المسؤولين إلى اتخاذ الاجراءات والقرارات المناسبة لأن المسؤولية الإجتماعية تقع على عاتق الجميع في اتباع النصائح والإرشادات «حتى لا نضر عائلاتنا» والالتزام بالنصائح والارشادات فيما يتعلق بمسافة الأمان والنظافة الشخصية وعدم التجمعات.

المناعة النفسية والفكرية

وفي ذات السياق يرى استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور رامي الحباشنة أنه علميا وتحت مظلة علم الإجتماع الذي ينبه دوما إلى شكل وسرعة التغيرات الاجتماعية عند المحكات والاختبارات وبخاصة تلك الخارجة عن السيطرة، يمكن التنبؤ منذ الان بتغير كثير من المسلمات والعادات الاجتماعية التي ستصطدم مباشرة مع إجراءات الوقاية وبخاصة إذا كان وباء يتعلق بتمثل خطر على حياة الفاعل الاجتماعي.

هنا يشير الحباشنة إلى أن الإنسان سيصبح بين كفتي التغيير في العادات أو الخطر المهدد للحياة وعليه سيتجه المواطن إلى أجراءات المحافظة على الحياة على حساب التخفيف على الأقل من كثير من تلك العادات والسلوكات التي قد تشكل خطرا على نفسه أو المقربين منه.

ويؤكد أن سرعة التغيير الاجتماعي ستعتمد على سرعة انتشار الفايروس لا قدر الله، بالإضافة إلى درجة المناعة النفسية والفكرية لدى المواطن الذي سيدخل في صراع بين أبجديات حياته المعتادة ومتطلبات الحماية التي تستدعي نمطا جديدا من العادات ستشكل عبئا في البداية ويبدأ التعود عليها تدريجيا مع الوقت.

ما بعد أزمة كورونا؛ يرى الحباشنة أن الأمر يعتمد على طول فترة التعامل مع الفايروس كلما كانت فترة التعامل والمعركة معه على صعيد المجتمع طويلة كلما كانت فرصة التكيف مع أنماط جديدة من العادات أكبر، مع الأخذ بالحسبان أن كثيرا من الأنماط تشكلت عبر ثقافة سائدة لسنوات طويلة.

وهو يؤكد أن المجتمع بحاجة لتغيير كثير من الأنماط و الكثير منها سيتغير بعد مرور الأزمة في حال كان هناك عدد من الوفيات لا قدّر الله.