د. شروق أبو حمور

انتفضت أم هبة بكل جوارحها، وكانت تلك الطفلة قد توفيت عند الرابعة عصراً، وهي ابنة الشمال، واجراءات الدفن وتجهيزات العزاء تتوجب أن ترقد روحها الطاهرة لساعات وليومها التالي، في ثلاجات الموتى، ولكن والدتها كانت تصيح رافضةً ذلك وتصمم أن تبقى هبة في سريرها وكأنها الطفلة النائمة. ما زلت أذكر الطبيبة مسؤولة قسم العناية الحثيثة عندما استدعتني وأنا أتأمل ملامح هبة بعد أن صعدت روحها للسماء مخاطبةً إياي: «من واجباتك كأخصائية اجتماعية أن تقنعي والدة هبة بأن تنقل إلى ثلاجات الموتى وأن بقاءها في القسم لا يجوز»، وبالفعل ذ?بت لوالدة هبة وشرحت لها بكلمات سلسة ضرورة الامتثال للأوامر الطبية ونقل هبة من القسم.

وافقت والدة هبة على نقلها ولكن إذعانها كان مشروطاً بأن أرافقها لثلاجات الموتى وهبة، ومن باب الوفاء الاخير لغاليتي قبلت.

ربما كان قبولي هدية وداع لروح هبة، وأنني أريد أن أكون معها حتى اخر لحظة، ولغاية أخرى أصارحكم بها كانت تجول في نفسي وهي أن أثبت لتلك الطبيبة أنني استطيع أن أقوم بعملي على أتم وجه، وذهبنا ولا تنسى جوارحي ذاك الذهاب، أنا وهبة ووالدتها بين جثث الموتى في ثلاجاتهم المترامية هنا وهناك.

خوفٌ ورعب ومشاعر لم اعهدها من قبل، وما زاد الداء بلاء، «والدة هبة» !! قالت لي: أريد أن أذهب للسيارة لأحضر غطاء أضعه على روح هبة، فأنا أشعر بأنها باردة ولا أريد لطفلتي الصغيرة أن تشعر بالبرد في يومها الاخير هذا على وجه الأرض، وما كان مني سوى أن أقول لها «ماشي».

وفجأة أدركت أني والموتى وروح هبة نتشاطر الانتظار، فأنا وحدي ها هنا، كنت أشعر بخليط من الخوف والشجاعة والحزن والألم يتسلل لجوارحي وتهديني اياه تلك الجثث المترامية هنا وهناك، مشاعر احتضنها بين انتصار وانتظار، وكانت تضاف لخليط شخصيتي بتلك القوة ولأول مرة وتختزن في ذاكرة «الأنا العليا» وكلها كنت مضطرةً لأن أقبلها باسم الضمير والانسانية.

وبعد أن تجرعت ما سبق حضرت والدة هبة وعانقتها وودعتها وكأنه الوداع الاخير، فالكثير من الأهالي وبعد أن ينهوا تجربة المرض والعلاج وأطفالهم واذا ما كانت النهاية مؤلمة يفضلون أن يبتعدوا عن كل شخص ومكان وزمان يذكثرهم بتلك التجربة، وكان ذاك اليوم هو الفاصل بيني وبين والدتها وانتهت علاقتنا المهنية الانسانية بوداع روح هبة. انتهت ساعات دوامي والتي شعرت بأنها سنون طويلة، وكان اخي «أبو خالد» ينتظرني بعد أن أنهى أعماله كالعادة لنعود سوياً إلى المنزل، جلست بجانبة وبدأت أجهش بالبكاء وأحدثه تفاصيل يومي مكررةً «ماتت هبة» أ?ي وأبي ذاك الخليط من الحكمة والعاطفة، كان يشعر بالشفقة والحب ويهديني بينهما جمل من الإعجاب والحزم، وأراهما في عيناه وينظر الي باستغراب وتعجب احتفظ بمعانيه لهذه اللحظة، لأنني فقط وذاتي ندرك ترجمتهما.

وصلنا للمنزل وإذا بإخوتي وأفراد عائلتي مجتمعون، يضحكون ويتسامرون وأنواع الحلوى يتناولون

نظرت لهم نظرة غضب بلا حدود، وكانت لاعتقادي بأن الجميع يجب أن يدرك أن هبة ماتت وان الحداد يجب أن يعم الجميع، وأذكر كيف غادرتهم جميعاً وذهبت وباب حجرتي أقفلت، وبدأت البكاء بعد أن سمعت ايات القران الحكيم متفاعلة مع خبرتي وطفلتي الأولى ومستحضرةً تفاصيل وشهور علاقتي وضحكات تلك الطفلة واخر انفاسها بين أحضاني، ورأيت اخوتي يتسللن لغرفتي ويقدمن هبة تعلمت منها الكثير، تعلمت أن لا أخلط بين العاطفة والتعاطف في علاقتي بالمرضى وأسرهم، تعلمت أنني مصدر القوة للمريض وأسرته وأن دموعي لا مكان لها في عملي، تعلمت أن ظروف وعواط? وقصص عملي تبقى في عملي، وظروق وصعوبات بيتي أبقيها في بيتي ولا أخرج بها لعملي.

لهبة وروحها الطاهرة:

«سلامٌ لك حتى يفنى السلام، وشكراً لأنك علمتني الكثير»