كتب – حيدر المجالي

لم يكن رغيف (الشراك) مجرد نوع من أنواع الخبز أيام الزمن الجميل، فهو منهج حياة عكست الأصالة والبساطة بمعانيها الجليلة؛ فهو الزّاد الذي تربى عليه جيل من الرّواد، كانت لهم بصمات واضحة في تاريخ الدولة الأردنية، وببركته عاش الأردنيون حقبة زمنية لها ألوان كألوان الطيف، بين فرح وحزن وطمأنينة وجوع.

ففي بداية تأسيس الدولة الأردنية وما بعدها، كانت الجدات يبذلن أقصى الجهود في سبيل إعمار البيوت وديمومتها بجانب أزواجهن، ذلك أن فلسفة عمل المرأة (الزوجة) يأتي بالفطرة، وهي ركن أساس في تسيير شؤون المنزل بدءاً من إعداد الخبز وحتى إنتاج الغذاء في الحقل.

أما صنع (الشراك) على الصاج والحطب، فتلك مهارة عالية تتفاوت درجة إتقانها بين سيدة وأخرى، فتحضير دقيق القمح وعجنه يدوياً ثم تخميره يسبقه عمل شاق، وهو الطحن بواسطة (الرحى)، وهي حجران دائريان من البازلت وبأحدهما ثقب من الأعلى لوضع القمح، ثم يتم تدوير الحجر بواسطة ذراع بشكل مستمر لإنتاج الطحين الناعم.

أصعب مرحلة هي توفير الحطب من البراري لإشعال النار، وهو أيضا من الأعمال التي تقوم بها المرأة؛ ثم تبدأ عملية تقطيع العجين، والتفنن في مَدْه بين الكفين والذراعين، ليصبح رقيقاً قبل وضعه على الصاج.

رائحة خبز الأمهات لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها، فهو الغذاء الرئيس على موائد الكثير من الأسر حينذاك، وقد يُضاف الشاي أو القليل من (المخيض) أو (السمن البلدي)؛ تلك بساطة نشأ وترعرع عليها أبناء الحراثين، الذين نحتوا في الصخر لتأهيل أنفسهم بالقليل والكثير.

أغرب قصة رواها السبعيني عبدالعزيز محمد، حدثت معه ذات شتاء شديد الرياح، فقد نسي زوادته وهي خبز (الشراك) والسكر والشاي؛ وبعيد حراثة مضنية وشاقة لأرضه بواسطة عود حراثة خشبي يجره حصان، لم يجد ما يأكله وقد هدّه التعب، فإنهارت قواه ولم يقوَ على العودة لبيته، الذي يبعد بضع كليو مترات من شدة الجوع، وحين جاء المساء ولم يحضر، ذهبوا في إثره ليجدوه بحالة سيئة.

حكاية عبدالعزيز تشي بأن الناس في ذلك الحين يعيشون على البساطة، ولا يجدون الكثير من الطعام، فهو يقتصر على منتوجات الأرض من البقوليات، ومشتقات الحليب التي يصنعونها بأيديهم؛ لكن العنصر الأساس خبز القمح وغالباً ما يكون من نوع (الشراك).

المرأة كانت تقوم بالأعمال المنوطة بها دون تذمر أو تكلف، وإن كان العمل شاقاً؛ فهن أخوات الرجال في كل المواقف، وخير معينات على ظروف الحياة القاسية؛ فصناعة الطعام وإعداد الخبز عمل يومي يتطلب جهداً ووقتاً وإتقاناً.

فقد تربى على أيديهن أجيال من الرجال، ساهمن في تنشئتهم على الفضيلة والشهامة وحب الوطن والدين؛ كما بذرن فيهم القيم الطيبة والأصالة الأردنية، فنشأوا من رحم الزمن الطيب بعيداً عن الحداثة التي نشهدها اليوم، لكنهم ورغم المعاناة فقد تركوا إرثاً طيباً.

يدرك ذلك الجيل بأن الحصول على رغيف الخبز ليس أمراً هيناً، وهو يتطلب جهداً وعملاً مخلصاً؛ فقد منحهم الرغيف قوة وعزيمة وإنتماءً؛ وهو بذات الوقت كان حافزاً لهم لتبؤ مناصب قيادية في الدولة الأردنية، فظهر بينهم قادة الجيش والأجهزة الأمنية العظام، ورؤساء الحكومات المخضرمين، ومربي الأجيال الذين صنعوا المجد لأبناء شعبهم.

ذلك زمن مضى بحلوه ومره لكنه في ذات الوقت عصر الشموخ والكبرياء والأصالة، فكلماً إستذكر الآباء ماضيهم الجميل، يجرفهم الحنين لخبز أمهاتتم الممزوج برائح الوطن؛ وكل التقليعات الحديثة لصنع الرغيف القديم تبوء بالفشل، فلا الطعم طعم ولا الرائحة هي، لكن القاسم المشترك تذكر الأيام الخوالي بأبهى صورها.