د.آمنة يوسف

ناقدة من اليمن

الصورة السينمائية في مفهومها النقدي، هي التقنية التي تتصل بنيوياً بتقنية «الراوي غير الظاهر» في أسلوب السرد الموضوعي -غاية الموضوعية- ليس بالمفهوم الكلاسيكي لأسلوب السرد الموضوعي، والراوي كلي العلم الذي كان يحق له أن يتدخل في بنية السرد، بالتفسير والتعليق والانحياز... إلخ. بل الراوي المحايد تماماً في بنية الكتابة الجديدة جداً؛ لذلك يُسمَّى هذا الراوي الذي عنه تتشكل الصورة السينمائية: «الراوي غير الظاهر، الذي يكون عبارة عن كاميرا خفية، أو عدسة مثبتة في زاوية من زوايا العالم المصوَّر، هذه الكاميرا أو العدسة ?ي التي تلتقط ما يقع في محيطها وما يمتد إلى مرماها، فيبدو الشيء القريب منها كبيراً، والبعيد عنها صغيراً، والذي يقع في مجالها معلوماً، والذي لا يقع في مجالها مجهولاً. ثم إن لون العدسة وشكلها يعكسان لون العالم المصوَّر وهيئتَه، فيتلوّن هذا العالم بلونها، وينكسر بانكسارها، ويلتوي وينكمش بتقعرها، ويستطيل بتحدبها، ويستوي باستوائها. ومن ثم فإن طريقة بناء هذا العالم المصور كله، بكل جزيئاته وهيئاته وألوانه، يتشكل تبعاً لشكل هذه العدسة الراصدة ولونها وزاويتها وموقعها» (1).

إنه الراوي الذي عنه تتشكل الصورة السينمائية، وتصبح القصة عبارة عن مشهد -أو مشاهد- ذات إيقاع سينمائي مركَّب، عبر مونتاج لصور مرئية ماثلة أمامنا تماماً، كما التقطتها عينا هذا الراوي المحايد الذي لا يحضر في النص، بل يظل خارج النص تماماً، مثلما يظل كذلك المُخْرِج السينمائي؛ فهو تقنية آلية تتبلور وظيفتها البنيوية في مجرد الشهادة «شهادة الكتابة على زمنها، على واقعها الثقافي، إذ في هذا الزمن الذي تغيرت فيه هويته التاريخية واختلف واقعه الثقافي، تراجع أثر الكاتب وضمرت فاعلية الكتابة. والتراجع ليس تلقائياً، بل هو قا?م في إطار الشعور بهيمنة السلطة السياسية، وقوة حضورها في الثقافي، أو قدرتها على الإمساك بالثقافي» (2).

لذلك، تطلق يمنى العيد على هذا الراوي اسم «الراوي الشاهد». وفي الفن، يحضر هذا الراوي بوصفه تقنية سينمائية تلتقط عينا الراوي فيها المشهد الماثل أمامها بالصوت والصورة، تماماً كما تلتقط عدسة الكاميرا السينمائية المثبتة أو المتحركة المشاهد السينمائية، بحسب ما يبدو لها من صور وأصوات مركبة.

ذلكم ما يمكن تتبعه ومقاربته بنيوياً في النماذج المختارة من قصص «فتاة المعطف» للكاتبة الأردنية د.امتنان الصمادي (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2020) وعلى النحو الآتي:

قصة «اللعبة»

القصة عبارة عن مشهد لاثنين (هو وهي) يمشيان مودّعَيْن عالم الطفولة، إذْ يقترح هو عليها لعبة اجتياز النهر إلى الضفة الأخرى، ومَن يتمكن من ذلك عليه أن يحقّق أمنية الآخر. وبالفعل.. «وافقت الفتاة دون تفكير، نزلا الماء البارد، بدأ الماء يحمل الجسدين بخفة، تسرّبت السعادة إلى قلب الفتى، بدأت الفتاة تشعر بالدوار، أسرع الفتى، ثقلت يدا الفتاة، وصل الفتى إلى الضفة الثانية، غرق صوتها المحمَّل بالماء الكثير، بدأ يصفق تشجيعاً لها، حاولت أن تبتسم لأنه يلعب معها لعبة لو فازت بها ستتعلم الكثير الكثير، لكنها حزنت قليلاً، لأن?ا لم تخبره من فرط سعادتها أنها لا تعرف السباحة».

هكذا كان مشهد النهاية من إيقاع السرد الذي حقّقته الأفعال المتتالية وهي ترسم لنا صورة سينمائية متحركة ومتتابعة بفواصل مناسبة لإيقاع السرد، لا بحروف العطف التقليدية التي اعتدنا زمناً عليها وتجاوزها اليوم كُتَّاب القصة الجديدة، موظّفين علامات الترقيم التي تعطي للسرد بعداً أكثر عمقاً من السابق.

فالأفعال (وافقت، نزلا، بدأ، تسربت، بدأت، أسرع، بدأت ثقلت، وصل غرق، بدأ يصفق... إلخ) أعطت إيقاعاً حركياً؛ لكي نتخيَّل نحن شكل هذه الصورة السينمائية الماثلة أمامنا، ونتتبعها بحسب ما رصدته لنا عينا الراوي الموضوعي غير الظاهر، الواقع خارج النص، الذي جعل المشهد الماثل أمام أعيننا هو الحاضر وحده، منذ أن وافقت الفتاة على هذه اللعبة كما عرضتها الصورة السينمائية، ولاحظتها من حركة الموافقة، إذ نزل الاثنان إلى الماء البارد، وإذ بدأ الماء يحمل الجسدين بخفة (وليس بتثاقل، مثلاً)، وإذ بدا الفتى سعيداً، في حين بدأت الفتاة?تشعر بالدوار، كما قالت الصورة السينمائية الماثلة أمامنا نحن المشاهدين، وكما تتبعنا ذلك من إيقاع الأفعال السردي.. وحين ثقلت يدا الفتاة في الوقت الذي وصل فيه الفتى إلى الضفة الثانية، وحين شاهدنا أن صوت الفتاة بل جسدها يغرق كما تعلن عن ذلك «لحظة التنوير» وعن أن الفتاة حزنت لأنها لم تخبره، من فرط سعادتها، أنها لا تعرف السباحة، بالمعنى الاستعاري للسباحة، وليس بالمعنى الساذج والمباشر.

قصة «دخان»

يتلخص موضوع هذه القصة في (دخان سيجارة)، الذي أوحى لمخيلة الكاتبة بقصة صارت صورة سينمائية ذات مغزى فني، يؤهلها لأن تكون قصة في منظور المتخيَّل السردي. إذ يقول مطلعها: «مضى على الرجل الذي تجلس بجانبه المرأة المتجملة في أحسن صورها نصف ساعة، هو صامت لا يتكلم، هي تحدّق بالدخان المتصاعد من سيجارته، هو يفكّر، هي تعدّ حلقات الدخان، يتناول سيجارة ثانية، تبادر إلى إشعالها له، تنظر في وجهه، تعود لتحلّق بالحلقات الدخانية التي وصلت إلى السقف».

هكذا يقول المقطع الأول من القصة الذي ترصد فيه عينا الراوي (غير الظاهر) المشهد الماثل أمامهما، وتتابعان تناميه عبر الأفعال والحركات والسكنات.. (هو صامت لا يتكلم، هي تحدّق بالدخان المتصاعد من سيجارته... إلخ)، فلعله هو السكون، وهي الحركة، هو الصمت وهي اللغة التصويرية والخيال غير المحدود.. وهي صورة سينمائية لمشهد أثارته فكرة بسيطة، وموقف عابر، جعلت منه الكاتبة قصة ذات معانٍ لا حصر لها، في لغة هذا المتخيَّل السردي الممكن في عالم الإبداع القصصي الرحب.

قصة «شهرة»

القصة عبارة عن لقطة سينمائية مكثفة، تقول أسطرها: «واحد اثنان ثلاثة.. هكذا قال الفنان للفتاة التي تبتسم أمامه استعداداً لالتقاط الصورة. إلا أنه توقف مذعوراً، فرَّ هارباً من عينها التي بدأت تلتهم عدسة الكاميرا».

من قلب الحدث العابر، انبنت هذه اللقطة القصصية المختزلة للغاية، وكانت متخيَّلاً سردياً بامتياز، متخيَّلاً له إيقاعه المشهدي، وحركته السينمائية المكثفة، ووحداته السردية الثلاث، منذ العدّ؛ استعداداً لالتقاط صورة فوتوغرافية من قِبل الفنان الذي طلب من الفتاة أن تبتسم لالتقاط الصورة، لكنه يُفاجئنا بفراره في لحظة التنوير، بدلاً من التقاط الصورة التي لم تعد مجرد صورة فوتوغرافية، بل صورة سينمائية لكامل هذه اللقطة المكثفة.

1. د. عبدالرحيم الكردي، الراوي والنص القصصي، ص89، ط2، 1996، دار النشر للجامعات.

2. د.يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص90، 1990، دار الفارابي، بيروت.