هدى الهرمي

كاتبة من تونس

كم عدد الأيام التي مرّت وهو معتكف ببيته الهولندي البعيد عن الأنظار في أحد أحياء مدينة ليوواردن بمقاطعة فريزلاند. إنه ممتلئ بالحيّوية والنشاط، خصوصا بعد النجاح الذي حقّقه في صفقة تجارية مع شريكه الإسباني.

لقد بدأ «مانوال» مشروعه الصغير بمجهود خاصّ منذ تخرجّه، ليؤسّس شركة صغيرة توزّع أصنافاً من النباتات والأزهار إلى الحدائق العامّة. زيادة على ذلك، وبعد مرور ثلاث سنوات، حازت المرتبة الأولى في تصدير أزهار التوليب والزنبق.

أحلامه لم تكن مستحيلة وهو يشطب الوقت بالعمل ويكرّسه على جناح السرعة عبر المثابرة والتقصّي وكسب خبرات إضافية في مجاله. ظلّ يخطط لأشياء أفضل، ليتسلّق سلّم النجاح مع كل فرصة جيّدة تظهر له، فيتمسّك بها لتسحبه إلى أعلى وهو متّقد بالانفعال ومشحون بالتوّتر الدائم لكسب رهاناته المتعدّدة.

بدأ اليوم على غير العادة. أشياء كثيرة تدور في ذهنه هذه الفترة. كان يمكث في العليّة متأملا برج «أخميا» المضاء طوال الليل كمجرّة محاطة بالنجوم.

شعر بالضيق وفكّر في الذهاب إلى مطعم «باي أز» لتناول وجبة المساء، لكنه يرغب في بعثرة نظامه اليومي.

ربما يتعيّن عليه أن يسند رأسه إلى امرأة فاتنة تمنحه أسعد لحظاته، بعد أن رحلت إيما وزرعت في رأسه فكرة أنه فاشل في الحب، عكْس براعته في التجارة وتفرّده في صنع ثروة رغم أنه في عقده الثالث من العمر.

كانت مخطئة بكل معنى الكلمة بالنسبة له، وهوذا الآن قد هجرها، لكنه لم يتجاوز قدرته على النسيان.

في الهزيع الأخير من الليل، خرج للتسكّع في شوارع المدينة إلى حدود متحف «فرايز». لم يكن من دأبه التجوال في وقت متأخر، خصوصا مع موجة البرد التي اكتسحت المقاطعة في فصل الشتاء. إلا أنه حين كان يهمّ بالعودة إلى بيته تفطّن إلى وجود إعلان نادر لسباق التزحلق على الجليد بالمنطقة.

حدّق مباشرة في اللافتة للحظة فارقة. على ما يبدو أنه تعبّأ بفكرة متأجّجة.

الجنون. إنه يشتاقه ولو بنتف. سيلغي كل استراتيجية تتعلّق بأجندة محكمة، برجولة صارمة ثقيلة على فؤاد حبيبة أهداها حكمته ورصانة الطبع.

لكن لا، كان متعطّشاً بكل كيانه إلى فرصة تتيح له أن يعيد ترتيب حياته في حجرة سريّة، ويغمض عينه وهو خالٍ من الانفعالات ومن كل عصب نابض يباغته بالتوجّس والريبة تجاه مشكلاته اليومية وأموره المضبوطة بحسب عقارب الساعة وتواريخ السنة.

يجب أن يقف في زاوية تكشف أشباحه المنتصبة في كل لحظة وهي تتلف سعادته الحقيقية وتحاصره في بقعة مضبوطة، لا ينزلق فيها ظلّه إلى الأرض أو يتجاوز السقف.

فكّر مع نفسه أكثر من مرّة. ثم غامر بإجازة مُدّعياً السفر ليغادر عاداته المضلّلة.

بالقرب من شارع «كلاين»، كان يسرع في خطواته ليصل إلى قناة المياه المتجمّدة في صباح يوم من منتصف شهر فبراير. هناك يتجمع آلاف الهولنديين على جانبي القناة لمتابعة سباق التزلّج بنوع من الإثارة والمرح.

شعر بلسعة برد، إنها تصعد عبر كتفيه إلى عنقه مصحوبة بوجع لاذع. لقد اجتاحت موجة الصقيع كل المقاطعات الشمالية تقريبا. لم يستطع كل المتسابقين إكمال السباق بسبب سوء الطقس والضباب المسترخي في المنطقة.

التحمت القناة بالشارع الرئيسيّ لتتحوّل إلى ساحة تزّلج، لكن «أندريه» حسم أمره بالمشاركة في المسابقة، كضرب من الجنون رغم عدم خبرته الكبيرة في هذه الرياضة.

ارتدى بزّة التزحلق ولبس الزلّاجات ثم طلب من المساعد المكلّف بأدوات التزلج أن يمكّنه أيضا بزوجٍ من القضبان.

في أول الأمر، فقدَ توازنه وسقط أرضاً على الجليد.

الطريقة كانت خاطئة، لكنه لن يغادر الساحة قبل أن يسحق شعوره الملبّد والمطبِق عليه، كتلك المسؤولية الخانقة في حضور الاجتماعات كونه المدير، وعدم قدرته على النوم في خضم انشغاله بمتابعة البورصة وفضّ مشاكل العملة والموظفين، وكسر قواعد الحياة التي تتردّد في ذهنه كأرجوحة عتيقة.

«سأعرف ماذا سأفعل وكيف أصنع ملمحتي في الجنون».. قال ذلك وهو ينهض ويعيد الكرّة في التزّلج بكلّ ما أوتي من حماسة.

تجمّع ما تبقّى من المتسابقين في الساحة، لكنه لم يراقبهم، كأنه يبتكر رقصة معقّدة لا يتقنها غيره، مثل لاعب أولمبي يستقطب النشاط والصخب المحيط به. ثم يصرخ كطفل تومض من جبينه أشعّة الغبطة وهو يتناول «الآيس كريم».

إنه لا يشبه «أندريه»، الشاب الصارم ذا النفس الثقيل، ربما اعتذر إليه قبل أن ينطلق هذا الصباح ويختفي تدريجيا، بنتف من الجنون، في داخله من جديد.

لقد استعاد ضوضاء روحه، وصار خاليا من الأشياء المتراكمة في تجنيدها بنحو كافٍ هنا.

رنّ هاتفه الجوال أكثر من مرّة في جيب بزّته. توقف «أندريه» للحظة ليلتقط أنفاسه، ومن ثمّ مدّ يده وسحب الهاتف. حدقّ فيه بغطرسة، كانت «إيما» هي المتّصلة.

تساءل في قرارة نفسه: «هل يتعين عليّ ان أجادلها في الوقت الحاضر؟! لا معنى لذلك أبدا».

ضحك ضحكة نصف مكبوتة، ثم انطلق في التزلّج تحت العاصفة الثلجية مجدّدا وهو مهووس بمواصلة السباق إلى آخره.