طارق قدّيس

جلس أمام التلفاز يحتسي قهوة الصباح، تأمَّل لثوانٍ خيوط الدُّخان المتصاعدة من الفنجان التي رسمتْ بشكلٍ غريب هيئة امرأةٍ راقصةٍ بردفين بارزين. ارتسمت على وجهه بسمةٌ عفوية، ثم أمسك جهاز التحكم، وانكبَّ على تقليب القنوات واحدةً تلو الأخرى، ثم ثبَّتَ الكبسة على قناة الأخبار المعتادة. نبأ ارتفاع أعداد المصابين بفيروس الكورونا في إيطاليا والوَفيات هيمنَ بظلاله على النشرة وشريط الأخبار المُتحرك أسفل الشاشة. وثبَ عن الكُرسي سريعاً واقترب من الشاشة حتى كاد يلتصق بها. سرح في حجم الإصابات والناس يلبسون الكمّامات ويركضون في الشوارع، يُحيطون بأحد المصابين تمهيداً لنقله إلى المستشفى لإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة.

أطال السرحان في ما رأى. غطّى فمه براحة يده مصعوقاً. عيناه كانتا تبوحان بحزنٍ موحش لا حدَّ له وقد تغرغرت فيهما دموعٌ أصابتهما بالغبش. اعتراهُ انقباض شديد في صدره، ففضّل أن يكتفي بلك الجرعة من الإحباط الصباحي، فأغلق التلفاز، وأفرغَ ما تبقى من القهوة في جوفه دفعةً واحدة، ثم نظر في ساعته، ومضى إلى الخارج قابضاً بيده على الكمّامة التي اشتراها ليلة البارحة من صيدلية بعيدة عن حيِّه، بعد أن لفَّ ودار على ثماني صيدليات قبلها فوجد الكمّامات قد نفدت بعد أن تهافت الناسَ على شرائها بضعف سعرها تهافتاً يذكّر بتهافت اللاجئين الفلسطينيين في الماضي على «كرت المُؤَن».

طبقَ الباب ونزل إلى الشارع. أخذ ينتظر قدوم الحافلة كي تُقلَّه إلى عمله في وسط العاصمة. رن جرس هاتفه الذَّكي، تأمل الرقم الظاهر على الشاشة. إنها أخته الكبرى، ليس من عادتها أن تحادثه باكراً. أنبتَ الفضول لديه رغبة عارمة لمعرفة سرّ المكالمة المفاجئة، ففتح الخط وشرع بمحادثتها، نبرةُ صوتها المرتفعة ارتجَّت في أذنه كالزلزال وهي تذكِّره بزيارة قبر أبيه في ذكرى وفاته قبل الذهاب إلى العمل، وأن يقرأ الفاتحة بالنيابة عنها، خاصة وأن الغرفة التي يقطن فيها تبعد عن المقبرة مسافة عشر دقائق فقط مشياً على الأقدام.

أقفل الخط. بدا الحوار الدائر في المكالمة كصفعةٍ فجَّة نزلت على خدِّه بلا سابق إنذار. بثَّ ما في صدره من زفيرٍ في الهواء وضبط بوصلته على اتجاه المقبرة المجاورة، فلم ترُق له فكرة زيارة المقابر في الصباح، وانتابه طالع شؤم فور سماعه بالمهمة الموكلة إليه.

انسلَّ مُتأفِّفاً إلى قبر أبيه والريحُ تلفحُ عينيه وجبينه المكشوفين للهواء ببرودة تفتِّت العظام، وكأن السماء تعلن عن قدوم كتلة هوائية عاتية في القريب. هناك وجد حارس المقبرة ينبش التراب حافراً قبوراً تُعَد بالعشرات، فاندهش لهذا النشاط المفاجئ في بداية النهار، توجَّه إليه سائلاً من تحت الكمامة عن علَّة ما يحصل معه، فأتاه الجواب من داخل أحد القبور بنبرة تحمل عفوية العامل البسيط: «يقولون إن مرض الكورونا قد وصل إلى البلاد. علينا أن نكون على أهبة الاستعداد لاستقبال حالات الوفيات المتوقعة وغير المتوقعة».

حاول أن يطمئنه بأن عدد الوفيات لهذا الفيروس بالنسبة لعدد المرضى في البلاد المُصابة لا يُذكر، وأن لا مُسوِّغ للذُعر، إلا أن الحارس استمر في حديثه من العمق دون أن يرفع ناظريه مستدركاً: «أنا عارف! هكذا أتتنا الأوامر»، فعلم عندها أن لا طائل من الجدل معه، وشرع يقطع الممر باتجاه غايته في إحدى الزوايا القصيّة هناك.

أقام المراسيم السنوية بسرعة قياسية، وعاد أدراجه راكضاً إلى الشارع للالتحاق بعمله وقد ضرب موعداً مع أحد الشعراء الواعدين لطباعة مخطوطٍ في دار النشر التي أسسها قبل أعوام ثلاثة، وشارفَ الشاعر على الوصول.

من حسنِ حظه وجد حافلةً تقف على ناصية الطريق على بعد عشرين متراً يُغادرها بعض الركاب، والسائق واقف إلى جانبها يركل بقدمه الدولاب الأمامي الأيسر وقد أسرَّت ملامحه عن عدم الرضا وأن الدولاب يُعاني من خلل ما لم يقبض على سرِّه بعد. جرى نحوها لاهثاً حتى كادت أنفاسه تخونه ويسقط جثة فوق الرصيف، لم يشعر بنفسه وهو يمسك بقضبان الباب الداخلية، ويضع قيمة الأجرة في مكانها، وينتهي مُجهداً إلى المقعد الوحيد الفارغ في منتصف الحافلة كحمّال ألقى حمولة ثقيلة عن ظهره على متن السفينة.

ما هي إلا ثوانٍ حتى عاد إلى رشده، وأسبلَ يديه في حجره، وانضبطت نبضات قلبه، بعدما استقر السائق في مكانه ولوى مفتاح التشغيل. إلا أنه وسط ذلك لاحظ أن كثيراً من الأعين تشخص إليه باستغراب. أدار الموضوع في رأسه. استقرت هواجسه على سبب واحد: لم يكن أحدٌ من الركاب يُطوِّق أنفه وفمه بكمامة سواه. لم يقف عند الأمر طويلاً، لكن ما استوقفه حجم القذارة في المكان. مُخلَّفات الركاب السابقين من عُلَب المشروبات الغازية، وبقايا الشطائر المأكولة، وأكياس رقائق البطاطا، تقبع مُهملة على الأرض. الغبار مُكدَّس على النوافذ من كل جانب?حتى إن النافذة الخلفية مُغطاة بحبّات التراب تماماً، وكأن خرقَ التنظيف لم تعرف يوماً طريقاً إليها. هذا عدا رائحة قشور البيض العفنة الراقدة تحت المقاعد كالجثث الهامدة بانتظار من ينتشلها ويُلقي بها إلى مُستقرها الأخير، إذ أخذت تتسلَّل إلى أنفه وزكمتْ أنفاسه. ولم يشعر بنفسه حين عطس عطسة قوية دوى صوتها في أرجاء المكان دويَّ الرصاص.

صحا من نوبة العطس على أعين تحلَّقتْ حوله، مال ببصره إلى اليمين فشاهد الرهبة في أعين الراكبين، منهم من ذاب في مقعده ذوبان الجليد في حضور الشمس، ومنهم من تعلّق بذراع جاره كمن أفزعته لقطة مُباغتة في فيلم رعب، ومنهم من طلب من السائق النزول في الحال بصوتٍ مبحوحٍ مُتقطع لا يكاد يُسمع أو يُفهم. حتى السائق من وراء المقود كانت عيناه تترصدان تداعيات عطسته الفارَّة من تحت خيوط الكمامة الزرقاء عبر المرآه الوسطى المعلقة في المقدمة. أما الراكبة التي في جواره فلم تألُ جهداً للتعبير عن ذُعرها، ففي لحظات معدودة اصطبغتْ سحن?ها الحنطية باللون الأصفر، وعمدتْ للنأي عنه قدر الإمكان وهي لا تكفُّ عن التحديق به وبلع ريقها بتسارعٍ مُخيف.

رغم حالة الذعر التي دبَّت في الحافلة إلا أن تلك الراكبة كانت الوحيدة التي وجدت في نفسها الجرأة كي تسأله بصوتٍ خفيض: «هل أنت مريض؟»، فرأى بسؤالها طوق نجاة لانتشاله من أعين الناظرين، وفرصة ذهبية لتوضيح الأمور، غير أن عطسةً ثانية باغتته ونفذت منه مُدوِّية أكثر من الأولى. لم يحس بعدها سوى بصيحات صراخ هستيرية تتعالى من حوله، نوبةٌ جنونيةٌ ألمَّت بالجميع، الكل يصرخ: «كورونا، إنه مُصاب بالكورونا، أخرجونا من هنا!» وقد اتجهوا دفعة واحدة إلى المقدمة مُطوقين السائق كدرع بشري متين، السائق الذي طار صوابه، واشتعلت الرعشة في ذراعيه، وزاغت عيناه بين المرايا المتسخة يمي?اً وشمالاً والنوافذ المدفونة تحت حبات الغبار، وبين جموع الركاب المتشنجة، واهتزاز الحافلة التي بدأت تتراقص بشكلٍ مريب مائلة نحو اليسار شيئاً فشيئاً.

أحس للحظة وهو في المنتصف أن الظلام قد ألقى بظلاله في قلبه، وأن المسافة بينه وبين الموت قد أصبحت أقرب ما يكون، خاصة بعدما هزَّت أذنه صرخة أطلقها أحد الركاب في المقدمة مُوجهة للسائق: «انتبه! جدارٌ استنداي أمامك»، ليشعر بعدها مباشرة بارتطامٍ عنيف قذفه إلى الأمام وأسكنه في مقعدٍ مُغاير جعل الحافلة ترتفع في الهواء، وتلتف إلى اليمين منقلبة رأساً على عقب.

هذا آخر ما احتفظت به ذاكرته من مشاهد لتلك الحادثة المجنونة بعدما عاد إلى وعيه، ورأى أشخاصاً بثيابٍ بيضاء يُهرولون من حوله، فأيقن أنه أضحى مخلوقاً روحانيّاً يحلّق في طبقات السماوات العليا، لولا أن ألماً في قفصه الصدري أصابه، ثم رأى أشخاصاً يرتدون كماماتٍ مشابهة لتلك التي يرتديها يحقنونه بمصلٍ مُهدئ، فأدرك أنه ما زال أسير العالم السفلي، ففي الأعلى لا أرواح ترتدي كمامات طبية خشية العدوى من مرض ما.

تمالك نفسه قبل أن يأخذ المُسكّن مفعوله ويغطّ في نوم عميق من جديد، ومال بوجهه إلى الممرض الأقرب إليه، وسأله بصوت خافت: «أين أنا؟»، ليأتيه الجواب سريعاً: «لا تخف! أنت في غرفة الحجز الصحي، ولن تتحرر من ضيافتنا قبل أربعة عشر يوماً حتى نتأكد أنك غير مصاب بفيروس كورونا. عدا ذلك كل ما في جسدك هي رضوضٌ وخدوشٌ ستزول مع الوقت تدريجيّاً».

هزّ رأسه محاولاً التعبير عن رفضه لما يحدث وهو يتمتم قائلاً: «ليتي لم ألبس تلك الكمامة اللعينة»، وقبل أن يستطرد في تمتمته المخنوقة كان رهيناً للغيبوبة من جديد.