فراس حج محمد

كل كتابة حتى تكون كتابة ناجحة يجب أن تكون كتابة خارجة عن المألوف؛ مألوف الكتابة ذاتها، ومألوف التجنيس، ومألوف الأفكار، ومألوف بناء النص في شكله الكلي، وفي وحداته الأصغر، من قطاعات نصية، أو الجمل والعبارات داخل تلك القطاعات النصية. لتظل تمارس إشعاعاتها النصية والفكرية على كل قارئ في كل قراءة جديدة.

والكتابة الناجحة ليست تلك الكتابة التي تتخذ من نفسها مجالا لتصفية الحسابات الشخصية مع الزمان والمكان والأحداث والشخصيات التي مرت على المؤلف، بل هي تطوير فني إبداعي لتتجاوز تلك الاستجابات الفطرية التي تحكمها ردة الفعل إلى رؤيا شاملة تنحو منحى مراجعة الذات وعلاقتها مع محيطها وسياقها الزمكاني الذي وُجدت فيه مع أشخاص آخرين، فلا ترتبط بالضرورة مع الذات ومشاكلها الفردية وإن أحالت عليها وجعلت حية في خلفية الكتابة ذاتها.

إنْ لم تفعل الكتابة ذلك فإنها في غالب الأحيان تحمل نفَسا هجائيا ساذجا وبسيطا، أو رثائية للذات، وتظل دائرة في فلك من الذاتية المنغلقة على مشاكلها وعقد الانتقام التي هي بالضرورة، ضارة ومضرة بعملية الكتابة، إذ تجعل الكلام عاريا ومرّا، وليس له إلا أهداف مرحلية ذاتية لا توصل إلى الآخرين أيّ قيمة إبداعية متجاوزة الزمان والظرف اللذين ساهما في إنتاجها، ولا تعدو كونها في نهاية المطاف غير منشور بيداغوجي بالمعنى اللغوي فقط، أو في أحسن الأحول لا تشكل سوى بروباغندا خاصة جدا للذات المفلسفة إبداعياً، ولكن بطريقة سيئة.

لربما أن إحدى مشاكل الكتابة عند بعض المؤلفين العجزة هي توهُّمهم أنهم ما زالوا قادرين على الصمود في الواجهة الإعلامية حضورا يستعيد فيه المؤلف اسمه وصورته وصوته، لعل ذلك ما يوقع الكاتب في أزمتين على أقل تقدير؛ الأولى أزمة إبداعية تتمثل في عدم القدرة على إنشاء كتابة خارج عن المألوف، مألوف ما اعتاده الكاتب أولا من كتاباته السابقة ذات الرواج القرائي والإعلاني الذي أعلته كاتبا خارجا عن المألوف أيام سطوته الإبداعية على القارئ الضمني والقارئ الحقيقي اللذين كانا يمارسان الشهوة كاملة في فعل القراءة الحي ويتفاعلان بد?شة لا متناهية مع تلك الكتابة. تسقط هذه الهالة فجأة فيرتطم الكاتب بحجارة النص غير المتشكلة فنيا وغير الواعية لآفاق التجاوز الذاتي لما هو أولى في الكتابة. وتتمثل الثانية في فعل الكتابة عند الآخرين من الكتّاب الذين تجاوزوه حتما، فنظر إلى نفسه وقد كان متقدما، وإذا به وحيد لا قراء له، وليس قادرا على اللحاق بركب الآخرين، يلهث في ثنايا كتابة تظل قصيرة المدى ومقصّرة ليس لها بجنب الكتابة الأخرى أيّ حضور مشعّ وطاغٍ.

هذه الأزمة الذاتية لفعل الكتابة المتكلسة تقود الكاتب إلى أزمة نفسية قاسية قد تدفعه إلى الانتحار. نعم الانتحار بفعل الكتابة ذاتها، فيهوى الكاتب من علوّه ويصبح غير مقروء وغير محتفَل به كما كان سابقا، وربما دفعته للانتحار الفعلي فينهي حياته بيده كما حدث مع بعض الكتّاب، وربما شكّل انتحارهم ردة فعل عنيفة تجاه الذات التي فقدت مبررات وجودها على اعتبار أن الكتابة هي فعل حياة حقيقية للكاتب، وليست مجازية. هكذا فسّر بعض النقاد مثلا انتحار الكاتب خليل حاوي الذي توقف عن الكتابة سنتين، ثم عاد بكتابة أقل من المستوى الذي ?انت عليه كتابته قبل فعل التوقف.

هناك كاتبة صديقة، تشكو كثيرا من العجز في الكتابة، وتخشى من أنها لا تستطيع أن تكتب يوما ما، تتحدث معي بمرارة إلى حد البكاء، أسمع حشرجة الكلام في الحلق، أفهم تلك الحالة التي تعلن فيها عن نفسها كأقسى حالة مرَضية، إن استفحلت ليس لها شفاء إلا بالتسليم بعقم ما آلت إليه دافعية الكتابة، مع أنها تدرك الفرق بين الكتابة الجيدة المختلفة والكتابة السياقية الخاصة التي تساهم في تعجيل أجل الكتابة، تكتب وتنظر لما كتبت، لا شيء يعجبها إذاً، تمحو وتشكو وتبكي، وتظل في قلق مريب مرعب.

ليس من السهل على الكاتب أن يعيش هذه الحالة، وقليل منهم من يسلّم بهذه الحقيقة، فيتوارى إلى الظل قانعا بما قدمه سابقا من كتابة كانت يوم إنشائها خارجة عن المألوف وتستقطب عددا غير محدود من القراء. حالة من التسليم بضرورة التقاعد الفعلي عن كل عمل كتابي إذا لم تكن تلك الكتابة خارجة فعلا عن المألوف وما تطورت عليه الحالة الكتابية من حوله.

لعل الكاتب الذي يصمت أو يتوقف عن اجتراح كتابة ساذجة أفضل من ذلك الذي لم يتبقَّ لديه ما يقوله، فتبدو كتابته كمن يستخرج الماء من وشل البئر، فلا تظفر الكتابة غير الوحل والشوائب المختلطة بالفكرة التي لا تستساغ في عقل القارئ وحسه.