أ. د كميل موسى فرام

الصفحة الأخيرة

أكتب الحلقة الأخيرة بمسيرتي العلمية من الإبتدائية للأستاذية بحبر من دموع العين ودم من نزف القلب، وقلم من قفص الصدر للأيام؛ الحلوة منها والمرة أيضاً، بتداخل جعل لها نكهة مختلفة، ولا أدعي لنفسي التميز، فربما هناك قصص غنية بالحكمة بصورة مضاعفة، ورصيد الاستنتاج باستنفار للإفادة، وما كان لهذه الحلقات أن ترى النور وتنقل ملفاتها من الذاكرة لتدون على صفحات جريدة الرأي بصورة اسبوعية متسلسلة، بدون مساعدة من المحيطين؛ أهلي وعائلتي، وتشجيع غير محدد من الربع والأحبة والأصدقاء، الذين صفقوا أو انتقدوا، دون السماح لهذه التداخلات أن تؤثر على الأسلوب أو تتناقض مع التعهدات، فالمسيرة غنية بالانجازات الشخصية والاخفاقات ببعض محطاتها؛ ففي الحالة الأولى ترجمة للنتيجة وفي الثانية درس وعبرة، وخلال محطات المشوار، أحداث وأحداث ساعدتني ببلورة شخصيتي العنادية والخلافية التي تؤمن بقول الكلمة والموقف بتوقيتها بدون مجاملة أو ترحيل، دونت منها بأدب وحكمة ما سمحت مساحة الذاكرة من استنباطه ضمن ظروفي الحالية، فالنسيان نعمة أحيانا، ولكنني أفتقر لهذه الميزة وإن تظاهرت بامتلاكها أحياناً أو وظفتها بحكمة لموقف أو تفسير، فحفرة الأسى المتعمد لا يمكن القفز عنها أو طمسها.

المصدر الأكثر تأثيرا بشخصيتي ومسيرتي هو والدي رحمه الله، الإنسان الطيب والمجتهد والمثابر، مصدر التوفيق للعائلة لنيته الصافية، فأوفيت له اليوم فرحا بما وعدت وأنجزت، أوفيت بوعدي له قبل وفاته لأترجم النجاحات، مجال دروس للتحليل والتدريس، كان ماثلاً أمامي بجميع الأوقات، يزودني بشحنات تشجيع وطاقة، لم يؤذ بحياته أحدا ولم يحقد، يكره الغدر والغيرة والحسد وقد اكتوى بنارهم، يرى باليوم فرصة للتحقيق باستخدام وقود الأمس ليأتي الغد بصورة أفضل، علمني الصبر والحكمة بضبط النفس وحُسن التصرف، نزع عباءة العصبية، يودع اليوم بصلاة أمل لشمس غدٍ متجدد، وحتى بوفاته، فقد غادرنا وهو يوصي بالترابط والمحبة.

والدتي منيرة مارديني، أعطت للمسيرة نكهة مختلفة، فهناك لمسة متجددة بكل موقف، وهناك اتصال هاتفي مساء كل يوم جمعة بعد قراءة الحلقة للثناء والاستفسار والتوضيح والعتب أحياناً، خصوصا أنني لم أزعجها بتفاصيل رحلة المحكمة، فهي أم مثالية على مستوى الحصن والوطن، تعايشت مع الظروف المستجدة للعائلة بوعد لتحقيق طموح كل أفرادها، عاشت الحرمان لتعطينا، سهرت الليالي لتوفير متطلباتنا، أسامرها بكل اتصال هاتفي مسائي يوميا لأذكرها بموقف يعطر الأجواء بما يحمل من ذكريات، وهي دائما تذكرني ببعض المواقف خشية أن أنسى، لديها مستودع غني ومحصن من الذاكرة، التي يمكن استحضار ملفاتها بزمن قياسي، وربما أنني الرجل الأسعد على مستوى هذا العالم أنني أنجزت وفاء لها لتقرأ وتفخر بمن أنجبت وربّت من الأبناء والأحفاد، يتربع هرمهم الشقيق الأكبر كريم الذي حمل لواء المسؤولية المشتركة منذ ربيعه الثامن عشر في سبعينات القرن الماضي حتى اليوم.

لتصرفاته وسلوكه من اسمه نصيب، فشقيقي كريم اليوم هو الأب والأخ والمنقذ لجميع أفراد العائلة، يتسلح بابتسامة تصهر الغضب، يفكر قبل أن ينطق، طبّق مبادىء تعلمها من الوالد بحكمته ورصانته، خطط للعائلة فردا فردا، يحمل همومنا، يهاتفني بعد قراءته لحلقات مسيرتي الأسبوعية، مؤيدا وداعما، يستفسر عن معنى معين أو موقف، يشحن همتي ويقتل خوفي، عاش معي محنة رحلتي للمحكمة منذ البدايات بعد أن أجلسني على كرسي الاعتراف مستفسرا، نراه المعطف الذي يوفر الدفء ويحمينا من البرد والثلج والمطر، وهو المظلة لنا من شمس الصيف الحارق، هو الملجأ ومحطة النجاة لكل ضيق، يحاسب على التقصير ويصفق على الانجاز، فكان له الفضل بما أنجزت بمحطات حياتي وترجمت بحلقات مسيرتي، كان بطاقة الأمان والتأمين للعارض الصحي الذي أوجعني، وأتمنى لو يأذن لي بتوثيق جزء يسير من مسيرته الغنية التي تصلح كمواد دستور للنجاح والتحليق بعالم صنع الذات من خام التعب والشقاء والمغامرة على رصيف المستحيل.

أتمنى أن تكون البداية والخاتمة لهذه المخطوطات بتوثيق مراحل السيرة الشخصية لطالب مجتهد استطاع بجده ومثابرته قيادة مركب العاصفة وسط الأمواج ليهبط بسلام على رصيف الأستاذية في كلية الطب بالجامعة الأردنية، وما كان للنجاح أن يكتب ويترجم بدون مساعدة وتشجيع من المحيطين، الذين أعجز عن تفقيط أسمائهم، فهم كثر، ولكل منهم موقف أو أكثر، ولكل منهم بناء طوبة أو مدماك بجدار هذا التوثيق، لمساتهم الفنية الغنية، قد أثمرت لهذه المذكرات أن ترى النور وتكون شاهدا على أحداث ومرجعا للاستئناس عند الضرورة، مساعداتهم التي طوقت عنقي بالفضل والعطاء، سطرت قائمة طويلة بأسمائهم يصعب ذكرها؛ حتى لا أنسى أو أظلم بغير قصد، ولكنني أعترف لهم بمحبتي وعرفاني.

أكرر شكري وتقديري بهذه الخاتمة لجريدة الرأي ممثلة بإدارتها الحريصة للمحافظة على مكانتها ورونقها والتي أعطتني مساحة أسبوعية لإثراء القراء بتجربة شخصية، فأنا ابن مخلص للرأي وأكتب على صفحاتها منذ صيف العام 1974، حيث تاريخ ولادة مقالتي الأولى عبر صفحاتها، توضيحا ورأيا لتحقيق صحفي بقلم الأستاذ عوني بدر عن الأديب الأردني أديب عباسي قبل وفاته، ومنذ ذلك التاريخ، بدأ التشجيع للتميز بقراءة اللغة العربية لحسن استعمال قواعدها، فكتبت الشعر والنثر، المقالة الأدبية والسياسية، المقالة الاجتماعية والصحية، ألتزم بأدبيات الكتابة والتعبير بوسطية الموكب، أكتب مقالتي بقناعة تمنحني سيف الدفاع عنها، طالبا العفو إن سهيت أو نسيت، أو أذيت، فكل ذلك بحسن نية غير مقصود، ليكون موعدي معكم أحبتي بدعوة مفتوحة ستوجه للجميع لحضور حفل إشهار كتابي «مسيرة كلية الطب.... رحلتي من الإبتدائية للأستاذية» فأودعكم اليوم ونلتقي.