الدكتور عامر العورتاني

بعيدا عن رائعة غابرييل غارسيا ماركيز » الحبّ في زمن الكوليرا »، وغيرها الكثير من الروائع التي حلّقت بأجيال في عوالم الرومانسية، لترسم صورة ملائكية عن ذلك الشعور الذي يجمع الرجل بالمرأة، ويسمو بهما في حياة سرمدية من السعادة، إنه... الحبّ.

إن الحبّ بقدر ما هو شعور ملازم للإنسان، وبقدر ما هو هدف يسعى من خلاله لتحقيق السعادة المنشودة، إلاّ أنه تأثر عبر الأزمنة بكثير من العوامل المحيطة، وبالرغم من ذلك بقيت الغاية من الحب كما هي متجسدة في رباط الزوجية المقدس.

ربما كان أهم ما توصمت به الحضارة المعاصرة هو تغيرها المتتابع، والقدرة على الإنتقال في إنجازاتها بسرعات تفوق أحيانا قدرة الإنسان على التكيّف معها، ما أدى إلى تعرض بعض القيم الأخلاقية للإنهيار أو الإختباء خلف مسوّغات الحداثة ومواكبة العصر، الأمر الذي أثر في الكثير من الأبنية القيميّة، والتي أثرت بدورها على الكيفية التي ينظر بها إلى النظام الأسري، الأمر الذي تعكسه نسب حالات الطلاق التي تتزايد يوميا في صورة لافتة، ما يدفعنا إلى التساؤل حول الأسباب التي تقف وراء هذه النسب، فهل هي الظروف المحيطة بمجتمعاتنا اليوم?على الصعيدين السياسي والإقتصادي، وما ألقته بظلالها على الحالة الإجتماعية العامة؟

لم تكن مجتمعاتنا بمنأى عن مثل هذه الظروف الضاغطة منذ فترات زمنية طويلة، ما يعني أن المشكلة تتعدى العلاقة بالظروف المحيطة، الأمر الذي يجرنا للبحث في الكيفية التي ينظر بها شباب العصر لرابطة الزواج، وإلى الكيفية التي يقيّمون من خلالها علاقتهم بالطرف الشريك.

والواقع أن أغلب المجتمعات اليوم تقف أمام محنة قيميّة تعصف بالكيان الأسري وهو نواة المجتمع وبؤرة تماسكه، فعروتها الوثيقة وهي الزواج قد تدفع بهذا الكيان العائلي إلى قعر المحيط المظلم، أو تصل به بسلام إلى شاطئ الإستقرار النفسي، والطمأنينة، والثقة والمشاركة والدعم، فالزواج ليس ظاهرة طبيعية تحدث من تلقاء نفسها، وإنما هو عبارة عن مهمة ذات رسالة، ينبغي النهوض بأعباء أدائها على الصورة المثلى.

إن الصورة التي يحملها أغلب الشباب عن الشريك في أذهانهم يغلب عليها الطابع المثالي الذي يحاكي نماذج تعرفوا عليها عبر أعمال أدبية ودرامية وموسيقية مختلفة، أو بنوها من خلال أخبار مجتزأة ممن سبقوهم إلى هذه التجربة، فكانت فرصتهم لرؤية الواقع على حقيقته ضئيلة، إذ لا يمكن حصر منظومة الزواج بكونها مغامرة رومانسية، أو حلم فانتازي يحاكي الأفلام والروايات وكلام الأغنيات، عندها سنكتشف أننا قضينا العمر في بناء قلاع من رمال البحر على الشاطئ.

وحتى لا نجعل من الموضوع حائطا في وجه المقبلين على الزواج، فإن المسألة تتعلق بكونها قائمة على عدد من المواصفات الشخصية أكثر من كونها مرتبطة بالظروف الخارجية، وحتى لا نقلل من شأن الحبّ في نجاح الزواج، فإن السؤال الذي ينبغي لإجابته أن تقودنا للسعادة الحقيقية هو من ينبغي أن أحب؟ وكيف أحب؟.

إن المبدأ الفطري الذي تقوم عليه هذه العلاقة مبدأ تكاملي، وفي رحلة البحث عن » النصف المكمل » كما قال أفلاطون، ينبغي أن يدرك كلا الطرفين أن المسألة ليست مغناطيسية بشكل مجرد، أو هندسية بشكل رياضي، بمعنى أن الأخذ بمبدأ الإنجذاب للآخر المختلف تماما، أو الإندفاع نحو الشخصية المشابهة تطابقيا، لن يحقق السعادة بالضرورة.

ذلك أن الإختلاف بين الطرفين مطلوب جزئيا لإثراء العلاقة على أن لا ينطوي على تعارض جوهري في القيم والإتجاهات، فالغاية هي تحقيق التوافق وليس التطابق أو التنافر، والتوافق لن يتحقق بين شخصين لا يستطيع الواحد منهما أن يلحق بالآخر لإتساع الهوّة بينهما، في الوقت الذي يملّ أحدهما انتظار الآخر على رصيف رثاء النفس واستجداء الماضي بأحلامه وخيالاته، والهوّة هنا قد لا تتعلق بأي من الظروف الخارجية كالمستوى التعليمي، والحالة الاقتصادية، أو الوضع الإجتماعي ، فزيارة إلى المحاكم الشرعية كفيلة بأن تثير حيرتك فيما ترى وتسمع، ش?اب وفتيات يصارعون لإنهاء علاقاتهم الزوجية ولا زالوا في البدايات، وقد يؤلمك أن تدرك أن صلب المشكلة يكمن في تصدع الصدفة التي يفترض أن تشكل درعا حاميا لهذا الكيان منذ البداية، فالقضية تتمحور حول رؤية كل منهما للغاية من هذه العلاقة وهو ما لم يدركاه قبل الشروع في رحلتهما، فالرجل يبحث عن الشريكة المخلصة التي تثمّن جهوده وتدفعه لمتابعة شغفه وما يبدع فيه، وتسانده في مختلف المواقف، وتبقي على دفء العلاقة برغم التقلبات، فهو غايتها، وحاجتها إليه تمده بالرغبة في الإستمرار برغم التحديات، وهي كذلك تبحث عن الرجل الذي يستح? ثقتها، ويمنحها الشعور بالتفرد في عالمه الذي يتوجها ملكة عليه، الرجل الذي يدعمها ويقف مؤازرا لها، وتتألق العلاقة بينهما في امتداد أبنائهما فتغدو العائلة مصونة بحصانة العلاقة بين الوالدين ، وإن عصفت بهم أمواج الحياة وتقلباتها، فالمركب يقوده قبطانان ماهران يتقنان إدارة الدفة بمهارة.

ولكي يتمكن كلاهما من اتقان الإختيار لا بدّ من أن يسبرا غور نفسيهما أولا، فيعرف كل منهما ماذا يريد، وما هي أولوياته، وما القيم التي تشكل أبجدية حياته، وما الإتجاهات التي ستوجه مواقفه من متغيرات الحياة، فعندما يحسن المرء قراءة ذاته ويحدد هويتها، فإنه سيقرأ بوضوح ما يبحث عنه في شريكه بعيدا عن الإنبهار الرومانسي الذي ينأى به عن الواقع، لذا فإن على كليهما في مرحلة الإختيار المحتمل ممارسة فن الإنصات الجيد لما يقوله الآخر، والإنتباه بدقة إلى الطريقة التي يعبّر بها عن نفسه قولا وفعلا، فهو بهذا يبرز جوانب شخصيته ال?ي قد تحول المشاعر الحالمة دون التعرف عليها في الوضع الإعتيادي، فالكيفية التي يعبر بها عن تعاطفه مع الآخر في موقف سلبي تعكس مدى استعداده لتقديم الدعم، كذلك الطريقة التي يقدم بها نفسه في مواطن الخلاف، فإنها تكشف ميله للهيمنة المتسلطة أو التبعية وانعدام الإرادة وكلاهما مرفوض على نحو أساسي، فالمطلوب أن يكمل كلا منهما الآخر بصورة تبادلية بحسب الدور الذي يقوم به، الأمر ذاته في الكيفية التي يستجيب من خلالها الشريك للمواقف الإيجابية السعيدة، فقد تظهر احتفاءه وتبنيه لإنجازات الآخر، أو تبلّد تعابيره وجفافها ، وهو ما?سيستنزف العاطفة التي اتكأ عليها الطرفان في بداية العلاقة فتغدو ألما متكررا يلتهم النفس والروح.

والمثالية ضرب من الإدعاء الكاذب في علاقة الشريكين معا، فلا بدّ من بعض الخلافات التي تعكس حقيقة العلاقة وسيرها بشكل طبيعي، إلاّ أن الطريقة التي يتعاملان من خلالها مع هذه المشكلات هي التي تبرهن على قوة رابطة الحبّ التي تجمعهما، فمواقف الغضب كفيلة بأن تكشف عمق أو سطحية هذه الرابطة، فتوجيه الإتهامات أو الإصرار على تبرئة الذات طوال الوقت إنما تشكل قوة جامحة تهوي بالعلاقة برمتها في نهاية المطاف.

إذا فالحبّ لا يختصر بكونه شعورا رومانسيا يتبادله طرفان يتشاركان حياة واحدة، وإلاّ فإنه لن يعدو عن كونه حلم يقظة لن يلبث الطرفان أن يستفيقا منه على أنقاض علاقة مهشمة، فالحبّ كما قال أدلر» مزيج بين القوة والحنان، فكل منهما يجب أن يحيط الآخر بعنايته ويسبغ عليه عطفه وحنانه، وكذلك يركن إليه ويتلقى الرعاية منه » فليس بالحبّ وحده تستقيم العلاقة بين الشريكين، فالحبّ ظاهرة إنسانية تبدأ بين الزوجين وتمتد إلى الأبناء عبر ما يحيطونهم به من الرعاية والعاطفة، فتتشكل الصورة الأولية للحبّ في هيئة الحياة الآمنة المستقرة، و?كبر التصور لديهم بتجلّي معاني الإيثار ونبذ الأنانية في كنف الأسرة والمجتمع المحيط، لتكتمل اللوحة بنضج الشخصية والتي تسمو بقدرة الفرد على العطاء والإهتمام بالزوج الشريك مستلهما تجربة الوالدين في حياته المقبلة.

إذا فإن الزواج يتعدى كونه عقداً شرعياً تم تحريره بناء على لمعان شرارة الحبّ، بل إنه علاقة مزدوجة يتم فيها تبادل الرومانسية تحت عنوان الرعاية المتبادلة، والعطاء المتبادل، والإيثار المتبادل، والتخلي عن النرجسية، فالحبّ «هو أن نحب في أي وقت وفي أي مكان، وأن الحبّ يكون أكثر زخما كلما كان أقرب إلى الموت».

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com