ملك يوسف التل

نحن الذين كنا في الضفة الغربية للأردن حصلنا على أفضل تعليم ممكن، ومن بقوا تحت الاحتلال لم يتعلموا

زميلنا في الدراسة منذر المصري كان الأول على المملكة

في زمننا لم يكن التدريس باسلوب التلقين. والثقافة كانت الأصل

كنت من المتفوقين في كرة الطاولة، مثلت المدرسة والجامعة في مصر

عندما تجتمع الخبرة المثقفّة، مع التواضع، ومع الذاكرة القوية، فإن إعادة تقليب صفحات العقود السبعة الماضية تصبح قراءة ثانية ممتعة في الذي لم يُدوّن من تاريخ المملكة.

العين الدكتور، هشام الخطيب، لديه تفاصيل ثريّة في الذي كان يميز التعليم الحكومي. وعند مقارنتها بالحاصل الآن، نعرف تماماً لماذا تراجع أداء وسمعة المدارس الحكومية لصالح «بيزنس» التعليم الخاص رغم كل ما فيه من ثغرات.

والأمر مثله عندما يستعيد الدكتور الخطيب أساسيات مشكلة ضعف القدرات الجامعية على الأبحاث، وكذلك غلبة الفزعات على العقل السياسي العام.

في تاريخ العلاقة بين الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن على مدى السنوات السبعين الماضية محطات وجوانب ليس مثل العين الدكتور هشام الخطيب من يستحضرها حيّة تستحق التسجيل.

هل نتشارك مع العين الدكتور هشام الخطيب بمساحة من ذاكرته النشطة؟

ولدتُ في عكا عام 1936، ونحن عائلة الخطيب من مدينة حيفا. والدي كان قاضيا شرعيا في مدينة نابلس. استمررنا فيها حتى تم تأسيس محكمة في القدس فانتقلنا إليها وكان ذلك في أواخر عام 1949 فدرست المرحلة الثانوية في المدرسة الرشيدية التي تأسست عام 1906 وهي معلم من معالم مدينة القدس. تطور التعليم فيها بعد الثانوية بإضافة سنتين لتؤهل خريجيها للحصول على الثانوية لدراسة الطب والهندسة.

تأثرت المدرسة الرشيدية بهزيمة عام 1967 فسيطرت عليها القوات الإسرائيلية وجعلتها مقرا لها، ثم أخلتها ووضعت وزارة المعارف وبلدية القدس أيديهما عليها. ومع تطبيق المنهاج الإسرائيلي ضعف الإقبال عليها لكن نتيجة المخلصين في القدس وضغط الأهالي طبق المنهاج الأردني في الفترة من 1973 - 1983 وبعدها المنهاج الفلسطيني حتى عام 1994.

درس فيها أعلام منهم الشاعر ابراهيم طوقان والشيخ توفيق جرار مفتي مدينة جنين واسحق الحسيني وروحي الخطيب رئيس بلدية القدس وناصر الدين النشاشيبي وعبد القادر الحسيني.

قبل الرشيدية تنقلت بين عدة مدارس في فلسطين. البداية كانت في حيفا ثم الى عكا وكان جدي الشيخ موسى الطبري مدير المدرسة وأصبح بعد ذلك قاضي عكا الشرعي، ثم ذهبنا إلى طبريا و بعدها إلى طولكرم ومن ثم إلى نابلس.

ولحسن حظنا أننا كنا موجودين في نابلس عندما حصلت حرب 1948، وبعض أقاربنا كانوا في عكا وحيفا، نحن الذين كنا في الجانب التابع للأردن حصلنا على أفضل تعليم ممكن، لكن من بقوا تحت الاحتلال لم يتعلموا، وهذا شكل فرقا هائلا، فنحن حصلنا على أكبر فرص في التعليم.

الدراسة في زمننا كان يغلب عليها الطابع الجدي الحازم جداً، فالكل كان حريصاً على الدراسة، وكانت شبه مجانية، الكل قادر ان يتعلم وكنا نذهب إلى المدرسة سيراً على الأقدام، فلم يكن هناك باصات ولا سيارات، والمدرسة كانت بعيدة عن البيت بُعداً معقولاً.

أذكر من زملائي د.منذر المصري في نابلس، د.محمد حمدان، وعدنان أبو عودة وكانوا قد سبقوني في المدرسة الصلاحية في نابلس بسنتين، وفي عام 1949 انتقلت إلى القدس وكان لي عديد من الزملاء توفي منهم منذر أبو السعود الذي كان مديراً للمدرسة الرشيدية، وهو ابن توفيق أبو السعود رئيس جامعة بيرزيت، ونعمان جاد الله وكان زميلي طوال الوقت، وأحمد لطفي عبدالمجيد. وآخرين غابت أسماؤهم عن ذهني معظمهم جاء إلى عمان وتقلدوا مناصب في الحكومة الأردنية.

يقال ان الدراسة كانت أصعب ومتطلباتها أقوى من مستوى الطلبة:

المناهج كانت قوية وصعبة... أذكر أن استاذ اللغة الإنكليزية في المدرسة الرشيدية في القدس كان يصر على أن نقوم بعمل دراسات وأبحاث وكانت في منتهى الصعوبة، لأن اللغة الإنجليزية كانت صعبة، وكنا نأخذ «إنجليزي متقدم» بالنسبة لأعمارنا، إلا أنني تعلمت منه موضوع الأبحاث، بحيث أصبحنا نعتمد على أنفسنا في الأبحاث والدراسات. من ذلك الوقت وأنا أتابع الأبحاث والدراسات، وعندما ذهبنا إلى مصر ذهل الأستاذ جورج خميس، بلغتنا الإنجليزية وتعلمنا منه كيف نعتمد على أنفسنا، كما علمنا الأبحاث والدراسات ونحن في عمر 15-16 سنة، فلم يكن ا?تدريس باسلوب التلقين.

كانت المناهج في الفترة الأردنية متقدمة، استمرارا للمناهج البريطانية. والدراسة بالنسبة لنا كانت أساس الحياة، الكل حريص على أن يدخل المدارس ويتعلم ومع ذلك كانت نسبة الأمية مرتفعة جداً.

كان التنافس على أشده بين التلاميذ، ودلالة على التنافس تفوق منذر المصري الذي كان الأول على المملكة وأيضا أحمد حمدان الأول على المملكة، وجميعهم من المدرسة الصلاحية في نابلس... كنت أكثر ما أهتم به الرياضيات واللغة الإنجليزية.

كانت المدارس الحكومية نموذجا في التعليم.. بماذا كانت تتميز؟

المقارنة صعبة... في زماننا كنا محظوظين بأن مدارسنا الحكومية كانت ممتازة. أنا لم أتعلم إلا في مدارس حكومية، منها المدرسة الرشيدية في القدس كما قلت. كان أساتذتنا جيدين جدا مخلصين مؤهلين، وعدد الطلاب محدود، والنشاطات معظمها ثقافية، وبعضها رياضي، لكن الثقافة كانت الأصل.

هل نشطت حزبيا خلال مرحلة الدراسة؟

لا ليس لي نشاطات حزبية. لم يكن لدي هذا الاهتمام. لكن لدي وعي واهتمام سياسي كامل.

وبعيدا عن الحزبية ما رست نشاطات رياضية منها كرة القدم، لكنني كنت من المتفوقين في لعبة كرة الطاولة، أمثل المدرسة والجامعة في مصر في مختلف المباريات، وضعف اهتمامي فيما بعد بسبب تقدم العمر..

ما أريد قوله ان الإحساس الوطني كان قويا جداً والمظاهرات لم تهدأ دون اصطدام، نحن تركنا حيفا ولم يكن لدينا علاقة باليهود، كما لم يكن في نابلس يهود.

بالنسبة للقدس العربية كانت مقسمة ومعالمها واضحة ولم يكن فيها يهود أيضا.

لكن الحماس كان موجودا ... مجرد حماس أكثر منه تعقلا حيث لم ينتبه احد بأن الجانب الآخر جهز نفسه ولديه استعدادات عسكرية لم تكن متوفرة لدينا. وبالتالي نتيجة لهذا الحماس وقعنا في مشاكل كثيرة كنا في غنى عنها. وللإنصاف أقول ان الملك المؤسس تعامل مع مجريات الواقع عن فهم وتعقل وإيمان بالتاريخ الذي عرف كيف يجمع ما بين الدبلوماسية والعسكرية. فاوض وحارب في نفس الوقت... حافظ على القدس وعلى الضفة الغربية عام 1948 ولولا حكمته وقيادته الحكيمة لضاعت الأمور في عام 1948.

فهم عبد الله الأول أمور الدولة وبذل كل مجهود دبلوماسي ليحافظ على القدس والضفة الغربية. يعود الفضل لله وله وللجيش العربي بقيادته وإلا لآلت الأمور إلى أسوأ ما يمكن.

بعد ان انهيت المرحلة الثانوية تابعت دراستي الجامعية في عام 1953 مع العديد من زملائي في مصر وحصلت على شهادة البكالوريوس بالهندسة الكهربائية عام 1959عدت إلى القدس وعملت في شركة كهرباء محافظة القدس، و بعد ذلك أصبحت رئيسا لدائرة المهندسين في الشركة، لمدة 15 سنة متواصلة.

ومن ثم حصلت على درجة الماجستير وبعد حصولي على درجة الدكتوراة في الهندسة الكهربائية من لندن عرضت علي الحكومة الأردنية منصب نائب رئيس سلطة الكهرباء الأردنية التي كانت قيد التأسيس، وهذا أسرني كثيراً، وانتقلت إلى عمان في عام 1974.

بين عامي 1976 حتى 1980 عينت مستشارا للطاقة في الصندوق العربي فذهبت إلى الكويت وكانت هذه الفترة تجربة غنية جدا، استفدت منها كثيرا وعدت بعدها للأردن واستلمت نائب رئيس سلطة الكهرباء الأردنية وبعدها تم تعييني مديرا لها.

وعندما شكل أحمد عبيدات حكومته عام 1984 حملت حقيبة أول وزارة للطاقة، وبقيت وزيرا للطاقة في حكومتي زيد الرفاعي والشريف زيد بن شاكر عام 1990.

ما هي بتقديركم أسباب ضعف الاهتمام بالبحث العلمي وتدني جودته، وغياب ثقافة الابتكار والإبداع والريادة، وقلة مردود نتائج البحوث العلمية؟

لا شك ان لدينا عددا كبيرا من المتعلمين الجامعيين لكن بالمقابل لدينا عدد قليل من الباحثين، والبحث العلمي هو علم، وعلينا أن نجتاز عتبة العلم وهو لدينا متواضع، لأن العدد محدد جدا لكننا أفضل من العديد من الدول العربية في البحث العلمي. فهذه مشكلة لم نستطع التغلب عليها، ولغاية الآن موجودة... لم نستطيع أن نطور رعيلا من الباحثين. لعدة أسباب منها: محدودية الثقافة فلا يمكن أن تكون باحثاً إلا إذا كنت مثقفاً، لانه يتوجب على الباحث أن يكون مثقفا وأن يتمتع بنظرة أوسع من تخصصه الضيق، فيدرك موقع تخصصه في عالم العلم. وأن?يمتلك النفس الطويل، فلا يتعجل التوصل الى نتائج أو اعتلاء المناصب وأن يكون مثابرا .

أيضاً لا يوجد منافسة. فالدول العربية حولنا وضعها متواضع جداً، لكن بالنسبة للإمكانيات المادية أقول أنه إذا توفر الباحث توفر المال، فالحكومة لا تقصر في توفير بعثات للباحثين وتدعمهم مادياً، إلا انه لا يوجد باحثون يستطيعون أن يستغلوا هذه الأمور، ولذلك مساهمتنا العلمية متواضعة بالنسبة لعدد المتعلمين. وأذكر عندما كنتُ وزيرا للطاقة، رصدت موازنة لدعم البحث العلمي، وعندما لم أجد من أعطيه، حولتها لتطوير نظام الجودة – الايزو

شيء مهم ايضا وهو انه لا بد للباحث العربي ان يتقن اللغة الانجليزية استيعابا وكتابة بها. وللأسف فإن القليل من باحثينا يتقنها. لهذا السبب فإني القي محاضراتي في المؤتمرات العالمية باللغة العربية، حتى أفيد زملائي العرب الحضور.

هل غطت التكنولوجيا الحديثة على موضوع البحث العلمي واجتهاد الشباب في التوسع في هذا المجال؟

نحن لا نزال متحمسين ولسنا واقعيين. الدول تتقدم بأمرين، التكنولوجيا وإدارة الدول، وللأسف نحن في العالم العربي منقسمون، وتنقصنا التكنولوجيا. بدون أن ننتقل إلى النوع ونعرف أن مستقبل الدول هو التكنولوجيا وحسن إدارة الدول فلن نتطور ونتقدم.

كما نلاحظ ان جميع التكنولوجيا تكمن في استعمالات الهاتف الذكي. وللأسف لدينا الميديا، تتوسع بالإشاعات وكثير من الناس يلاحقون هذه الإشاعات، بمعنى أننا ضعنا عن السبيل الصحيح الذي هو البحث العلمي والمعلومات الصحيحة، وهذا يؤثر فينا جداً، والدولة تكون سلسة مع المواطنين، لكن الكثير من الأمور ضاعت بدل من أن تضيع في البحث العلمي والدراسات ضاعت في السوشال ميديا.

يقال ان بيئتنا غير حاضنة أو ملائمة للبحث:

هذا ليس صحيحا. لقد أجريت ابحاثي كلها في الخارج وحصلت على جوائز عالمية عليها. حاليا، لا داعي للسفر حتى تتعلم. لديك العلم كله على الانترنت واجهزة المحاكاة وغير ذلك من تسهيلات على الباحث.

كوزير للطاقة، ما هو الحل لهذة الازمة البنيوية؟

لا يوجد لدينا مصادر طبيعية للطاقة أو بالأصح هي مصادر قليلة. مع ذلك نحن في الأردن لدينا أفضل خدمات للطاقة في المنطقة العربية، من كهرباء وكاز وسولار والغاز، فكل شيء متوفر بفضل الله، لكن الأسعار مرتفعة بسبب أن هذه الخدمات مستوردة، ندفع بسعر السوق الدولي، لكن الكهرباء لمحدودي الدخل مدعومة جداً.