وليد سليمان

يقول الباحث في التراث الشعبي السلطي » درويش الكاشف» في مقدمة كتابه الجديد عن أحد علماء الاردن المعروفين «محمد صالح مريش»:

بادئ ذي بدء، لا بدّ من الإشادة بالمكانة العلمية التي حظیت بها مدینة السلط، وذلك بإقامة المنشآت والمؤسسات التعليمية وإستقطاب أهل العلم وتكريم العلماء على مدى العصور والأزمان، بخاصة في العصرين الأيوبي والمملوكي.

فقد شهدت هذه المدينة العريقة » السلط» حركة علمية واسعة، لا سيما بعد تأسيس الجامعة الإسلامية فيها, والتي كانت تُعرف بالمدرسة السيفية نسبة إلى مؤسسها الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي المتوفي سنة 729هـ/ 1328م.

وقد درّس في هذه المدرسة كبار العلماء, وخرَّجت الكثير من القضاة والفقهاء, الذين تسلموا أرقى المناصب القضائية في بلاد الشام، ومنهم: قاضي دمشق، قاضي بیت المقدس، قاضي طرابلس، قاضي عكا, وقاضي السلط.

وكان آخر هؤلاء العلماء الشيخ الصالح «نعمة الصلتي» أحد كبار المتصوفة في القرن السادس عشر الميلادي والمتوفي سنة 946هـ/1539م وصُلي عليه في مسجد السلط الكبير وصلاة الغائب في المسجد الأموي بدمشق، ودُفن في السلط بالمقبرة التي عُرفت بإسمه وهي «مقبرة الشيخ نعمة» أو مقبرة العيزرية.

كما أطلق إسم المدرسة السيفية على إحدى المدارس الثانوية في السلط.

هذا بالإضافة إلى الأعلام الكبار الذین تولوا الإفتاء والإمامة والخطابة في السلط، وكان من أبرزهم الشيخ «مصطفى بن یوسف زيد الكیلاني» 1252-١٣٠٨هـ/ 18٥٠-1892م) وكان ذلك سنة 1278هـ وهو من حملة الشهادة العالمية من الجامع الأزهر الشريف.

وفي السياق ذاته كتب الدكتور سحبان خلیفات عن أعلام السلط المشهورين وعددهم إثنا عشر عالماً في المجلة الثقافية الصادرة عن الجامعة الأردنية العدد الخامس عام 19٨٤م، حيث سلسلهم الكاتب حسب الأقدم مولداً، فكان أولهم الشيخ محيي الدين أبو بكر الصلتي المتوفي عام 1104م وآخرهم الشیخ «محمد صالح» خلیل مریش المتوفي عام 19٤٥م, والذي يُعد أحد رجال العلم والقضاء والإفتاء والإمامة والخطابة في مدينة السلط أثناء العهد العثماني وعهد الإمارة الأردنية.

وقد وَرَدَ اسم الشيخ مريش في «سلسلة الأوائل في تاريخ الأردن» لأول مئة موظف وأول مئة معلم من منشورات جامعة العلوم الإسلامية العالمية بعمان.

الشيخ مريش

هو «محمد صالح» خلیل مريش الحسيني الحنفي الأزهري, وكان مولده في مدينة نابلس في العام (1860م).

والده هو خلیل مريش الذي كان يعمل تاجراً في مدينة نابلس.. ويُعد آل مريش من السادة الذين ينتسبون إلى الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهما، وذلك بحسب شجرة العائلة والوثائق المحفوظة لديهم, وكان الشيخ مریش يتبع المذهب الحنفي.

وعائلة مريش هي من إحدى العائلات الوافدة من مدينة نابلس إلى مدينة السلط بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كانت العائلات النابلسية هي الأكثر إقامة في هذه المدينة مقارنة بالعائلات الأخرى الوافدة من مدن ولاية سوريا أو الولايات العثمانية الأخرى، وكان معظمهم من التجار والصناع والحرفيين.

ونشأ الشیخ مریش لعائلة ذات طابع ديني ولها بصمات مميزة في التدين.. فقد عمل أخ له وهو الشيخ حامد معلماً للتربية الإسلامية واللغة العربية في مدرسة السلط الثانوية ثم مفتياً في مدينة إربد, كما عمل بعض أبنائه في المجال الديني.

مع الآفغاني ومحمد عبده

وتلقى الشیخ مریش تعليمه الأولي في مدينة نابلس بالكتاتيب على يدي الشيخ المعلم منیب، والذي تتلمذ على يديه الكثير من أبناء المنطقة.

وبعد ان تلقى الشيخ محمد صالح مريش تعليمه الأولي في مدينته سافر إلى مصر والتحق بالجامع الأزهر، حيث مكث فيه مدة عشر سنوات.. وكان قد تتلمذ خلالها على يديَّ الشيخين: جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده.

ونال الإجازة العالمية في التدريس أعلى درجة علمية يمنحها الأزهر، ثم أختير محاضراً في الأزهر لمدة عامين وبعدها عاد إلى مدينة نابلس.

والجدير بالذكر أن الإجازة العالمية التي يمنحها الأزهر تعادل شهادة الدكتوراة حالياً وتكون موشحة بتواقیع كبار العلماء, من أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعدد من مشايخ الأزهر.

وكان أن بدأ الشیخ حياته العملية بعد عودته من مصر بالتدریس في مدرسة عراق بورين بقضاء نابلس لمدة سنة واحدة.

ثم عُيِّن الشيخ مریش قاضياً ومفتياً في قضاء السلط بناءً على براءة من السلطان العثماني بتاريخ 2 شعبان سنة 131٦هـ.. وذلك خلفاً للشيخ مصطفى بن یوسف زيد الكيلاني.

في مدينة السلط

ولقد أمضى حياته العملية في مدينة السلط مفتياً وقاضياً وإماماً وخطيباً وواعظاً ومعلماً ومؤلفاً للكتب والمراجع الدينية.

ويُذكر أن المفتي كان الرجل الثاني في القضاء الشرعي والمخول ببيان الحكم الشرعي، وثمة تنسيق بين المفتي والقاضي الشرعي بما يحتاجه القاضي من فتاوى يعتمد عليها في إصدار أحكامه بخاصة في قضايا الأحوال الشخصية.

وعمل الشيخ مريش إلى جانب الإفتاء معلماً للتربية الإسلامية واللغة العربية في مدرسة السلط منذ نشأتها، وكان أحد الخطباء الذين ألقوا كلمات في المدرسة بين يدي الأمير عبدالله الأول ابن الحسين لمناسبة الإحتفال بيوم إفتتاحها بتاریخ 12/12/1925م.

وكما ساهم في عمل لجان جمع التبرعات لبناء المدرسة.

من تلاميذ الشيخ مريش

وكان من تلاميذه في مدرسة السلط: محمد صبحي, عبد الحلیم زيد الكيلاني، عبد الرحيم الواكد، علي مسمار، أحمد الظاهر، محمد الخشمان، بشير الشریقي، سليمان السكر، حسني فريز، أحمد الخطيب، داود تفاحة، مصطفى خليفة، سعد جمعة، صلاح الدین طوقان، عبد الرحمن شقير، عزت الصليبي, وغيرهم.

ولقد حظي هؤلاء التلاميذ بتسلم مناصب عليا في الدولة الأردنية لاحقاً, وكان لهم الفضل في بناء الأردن الحديث في مختلف المجالات السياسية والإدارية والقضائية والفكرية والأدبية.

ومن زملائه المعلمين في مدرسة السلط كان منهم: سعيد البحرة مدير المدرسة (سوري من مدينة دمشق)، أديب التقي (سوري من مدينة دمشق)، عبدالرؤوف الجوهري مؤسس الفرقة الكشفية، بهاء الدين العابودي، أديب السكري، جمیل شاكر الخانجي، علي حسين روحي، محمود مسعود، حمدي الفحل، الشيخ عبدالحليم زيد الكيلاني، حسن البرقاوي، حسني فريز, وغيرهم.

وحظيت هذه المدينة بالإقامة الدائمة للشیخ مريش منذ تعيينه مفتياً وقاضياً من قِبل السلطنة العثمانية، حيث أمضى حياته العملية كلها فيها.

في حي السلالم بالسلط

وكان الشيخ مريش قد أقام بأحد بيوت السلط في سفح جبل السلالم والذي يقع خلف بیت آل طوقان، ويمكن الوصول إليه من إحدى الطرق (الأدراج الحجرية) المؤدية لجبل.. وكان يُسمع صوت المؤذن الطبيعي (من غير مكبرات الصوت)، حيث كان لشرفات هذا البيت والبيوت المجاورة إطلالة رائعة على المسجد الصغير والجزء الخلفي لسوق الحمام والبساتين التي كانت، وعند إلتقاء مدخل المدينة القديم (البياضة) بشارع الميدان.. إضافة إلى رؤية مشرقة علی بعض تلال وسفوح المدينة وهي القلعة، العيزرية، الجدعة, والجادور.

وثمة عائلات كانت (جيران) لمنزل الشیخ مريش ومنها: بدران, عصفور، جرار، خشمان، طوقان، الفاعوري، الخليلي، أبو دلال، باكير، السائح، التكروري، أبو حمور وغيرها.

وأثناء إقامة الشيخ مریش في مدينة السلط ظل على إتصال مع المشيخة الإسلامية في مدينة اسطنبول بتركيا، وذلك من خلال العدید من الرسائل.. ومنها رسائل استفتاء كانت ترده من مدن فلسطين ومصر واليمن وغيرها، فيقوم بالرد عليها على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.

كما تلقى رسائل من الشيخ جمال الدين الأفغاني بتاریخ 18 جمادى الآخرة عام 1322هـ.. وكما كان مرتبطاً بمبادئ أستاذيه الشيخ محمد عبده والشيخ الأفغاني أيضاً.

مع السلطان العثماني

أما جولاته الخارجية، فقد رحل الشيخ مریش لمدينة اسطنبول، حيث التقى السلطان العثماني وقاضي قضاة السلطنة.

ثم سافر إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج, والتقى شريف مكة الحسين بن علي الذي أكرم وفادته.

وحينما اشتعلت ثورة البراق في مدينة القدس عام 1929م، فوّض أهالي شرق الأردن الشيخ مريش بتقديم الدعم المالي والسياسي والإشراف على إعانة إخوانهم الفلسطينيين أيام الإنتداب البريطاني.

وكان من نتيجة هذه الحركة الدعوة إلى عقد مؤتمر القدس الأول عام 1931م للتداول في أوضاع فلسطين.

الملك المؤسس عبدالله الآول

كما فوَّضه الأمير عبدالله بن الحسين (الملك المؤسس) بتوزيع بعض قطع الأراضي الأميرية على إخواننا الشراكسة المهاجرين إلى شرق الأردن.. وأوكل إليه أيضا إختيار الأئمة والخطباء في مساجد الإمارة.