آبواب - د. شروق أبو حمور



«هبة»

المرات الاولى والخبرات الأولى، والمشاعر وحتى المذاق الأول عادة ما يعلق جوارحنا وأرواحنا، ويعتري عقولنا بنكهة مختلفة، ولذلك قررت أن أبدأ بسرد ما تحويه ذاكرتي عن تلك الطفلة التي كانت خبرتي وتجربتي العملية الأولى معها.

هبة ابنة الشمال، طفلة بعمر خمس سنوات، مريضة السرطان لأب وأم منفصلين، والتي تعلقت بها بكل جوارحي، وخلطت بين العاطفة الجياشة والتعاطف المتزن الذي يجب أن يكون في العلاقة المهنية.

كنت أمضي وإياها الوقت الكثير هنا وهناك وأسمع لهجتها التي لم تكن تتفق وملامح طفولتها، وعمرها، وكنت أطلق الضحكات والقهقهات المتتالية على كلماتها التي فهمت معناها عندما كبرت، كانت دائماً تناديني «يده يا شروق» وفهمت مؤخراً أن يده تعني التحبب والتودد والتقرب للمخاطب.

ولأنني بخبرتي الأولى كنت دائماً أعتقد أن المرض وخصوصاً عندما يتعلق بالأطفال هو عرض يجب أن يتبعه الشفاء إذا ما التزم الطفل ببروتوكولات العلاج للتخلص من الداء، وكنت أستوعب أن الموت ومفاهيمه صفة تلازم الكبار وأن الصغار معفيون منه: «فالأطفال لا يموتون».

كنت أضحك لحماقة تلك الطفلة وبراءتها ولا أنسى علامات التعجب على ذاك الطبيب الأخصائي عندما يحضر لغرفتها وفريقه، من أجل الفحص ومتابعة حالتها، وتعلن هبة غضبها الجامح وتبدأ بنعته وسبه، وشتمه بألفاظ لا تليق بطفولتها فما يكون من طبيبها سوى الخروج بعد إنهاء الفحص وهو يتمتم متعجباً:«She is crazy girl»

إنها فتاة مجنونة، وهنا كنت ادعي الجدية مع هبة ووالدتها وأبدأ بنصحها، لتعلن غضبها نحوي أنا الأخرى، وترفض كلمات الإرشاد وتبدأ لتشرح لي ألمها، متهمةً طبيبها المعالج بأنه سبب ذاك الألم.

كانت هبة ووالدتها تقيم في المستشفى لشهور متتالية نظراً لظروف العلاج والانتكاسات التي كانت تتعرض لها خلال تلقيه، وانخفاض المناعة والتعب من العلاج الكيماوي.

ما زلت أذكر تلك الجدة- جدة هبة- كيف حضرت لزيارتها. حيث كنت الاعبها مع والدتها ونتحدث معها، أذكر والدة الطفلة كيف تغيرت معالم وجهها، وانسحبت مغادرةَ المكان لأبقى والجدة لوحدنا.

تركت الجدة تفاصيل هبة وألمها وعلاجها وبدأت تشرح لي أسباب انفصال والد هبة عن والدتها عندما سمعت من أكون وما هو مسماي الوظيفي «أخصائية اجتماعية»، وبدأت بسرد تقصير والدة هبة بأعمال الغسيل والطبيخ والتنظيف وأنها لا تعد مناسبة لابنها.

كنت أبحر كل يوم في تفاصيل ومعالم وظروف تلك الطفلة ومرضها، وأزداد تعلقاً بها، وتعاطفاً معها بسبب ظروفها العائلية والمرضية، ومرت أيام على علاج طفلتي المدللة. كنت ألاحظ تدهور حالاتها الصحية في كل يوم، إلى أن نقلت الى قسم العناية الحثيثة، بدأت أراقبها كوردة تسقط ورقة منها كل يوم، ولا أفهم ما يعتري قلبي سوى مشاعر لا أدركها لأنها الأولى.

في أحد الصباحات وكان يبدأ باجتماع للقسم بغرض عرض الحالات المرضية التي نتابعها، والخطط والخدمات الاجتماعية التي قدمت للمرضى، سمعت اسمي يطلب عبر مكبرات الصوت «الرجاء من الأخصائية الاجتماعية شروق أبو حمور الاتصال بالرقم....»!! وهو الرقم الخاص بقسم العناية الحثيثة.

طلبت من مديري أن أغادر الاجتماع وكلي خوف ورعب وذعر، فأنا أدرك أنها هبة، وفعلاً كانت مدللتي تحتضر، وهي في أحضان والدتها، وهي من طلبت أن تشاهدني، ما زلت أرمق نظراتها واختصارها وقلمي يكتب، وطلبت هبة أن تجلس بحضني ورغم أنني في علاقة مهنية لم أدرك سوى قطرات الدمع تلك من عيوني متجاوزةً ما يجب وما لا يجب، ومجلسةً اياها وجاعلاً رأسها يتوسد صدري، ولكنها توقفت عن لعثماتها، وأغمضت عينيها، وصرخت أمها بأعلى صوتها «ماتت هبة، ماتت بنتي، مسكينة يا هبة»

«صرخ قلبي وكل جوارحي انتفضت وأدركت أخيراً أن الأطفال كالأحلام، هم أيضاً يموتون»

«يتبع»