ليس خافياً على أحد أن الأزمة الاجتماعية التي تعصف بمجتمعاتنا العربية باتت بحاجة إلى علاج جذري، ساستنا ومثقفونا يعون هذا الواقع البائس، لكن الغالبية منهم لا تحرك ساكناً.

وكما يقول الاكاديمي والمفكر الراحل د. هشام شرابي «إن المثقفين العرب لم يُمعنوا النظر الكافي في تصديهم للأزمة الاجتماعية الفكرية التي عصفت بمجتمعهم. إن محصلة الثورة الاجتماعية التي نشاهدها اليوم في العالم العربي ستكون لصالح الجهل والتعصب والطيش». (د. هشام شرابي «أزمة المثقفين العرب»، ص 21)

ثمة «عُقم في الفكر الموضوعي في المجتمع العربي» سببه أننا نغلب العاطفة والرومانسية على مشكلات الواقع.

نحن اخفقنا في معالجة هذه المشكلات لأننا لم نقم اعتباراً للفكر الموضوعي.

غابت «الحكمة» عن المشهد العربي، شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا نعالجها بأفق مستنير. لا نقاربها بنظرة معرفية، بل برومانسية تدغدغ المشاعر فحسب، رومانسيتنا أعمت منا البصائر.

نحن كعرب لم نحسن فهم مدلول «الحداثة» كما احسن الغرب فهمها. نتحدث عنها ولا نمارسها!

لم نتحرر بعد من اغلال الماضي، نريد اسقاطه على حاضر آخر مختلف. عبء «الطائفية» و«المذهبية» يشدنا الى الوراء. هو المسؤول اليوم عن مأساتنا الانسانية الكبرى.

في عالمنا العربي والإسلامي اليوم دعوات مُريبة تشن حملة على «الحداثة». هذه الدعوات تشكك في الدعوة القومية، فهي في رأيها قد استنفدت اغراضها، ومن هنا فلابد من ان نلوذ بِـ «العقيدة الدينية» بوصفها السلاح الذي نواجه به «العلمانية»!

مع احترامي وتقديري للأديان السماوية بما فيها «الاسلام» لا نستطيع القول إن «الأسس الدينية» قادرة على مواجهة قضايا العصر الحديث.

إن الثورة الاجتماعية التي نريد هي تلك التي تؤمن بالفكر النقدي الذي لا يكتفي بالتشخيص بل يضع الحلول للمشكلات التي نعاني منها كعرب.

آن الأوان لإبراز «خطاب نقدي عربي» قادر على حفز قوى التغيير في مجتمعاتنا العربية. لا يجوز تهميش هذه القوى تحت ذرائع وهمية كالزعم انها تشكل خطراً على «الامن القومي»، ذرائع باتت الجماهير العربية لا تصدقها.

علينا ان ندرك ان ثمة «تغيّراً ثورياً» يجتاح العالم رغم مساعي الامبريالية العالمية لاحتوائه.

حتى يذكرنا التاريخ في صفحاته المقبلة، علينا ان نقتحم بخطا ثابتة عالم الحضارة الحديثة فنحدث التغيير المنشود والعميق في البنى الاجتماعية المترهلة، وتحرير «المفاهيم» من الانغلاق والتعصب.

لا يجوز أن تظل مفاهيمنا تقليدية بمعنى انها عاجزة عن مقاربة «حداثة العصر». الايمان بقيم العدالة والحرية والابداع ينبغي الا تبقى نظرياً، يجب ان ينعكس كل ذلك على حياتنا وسلوكنا.

التسليم بالقضاء والقدر لا يعني ان نعلق كل شيء على مشجبة –اذا صح التعبير-.

حين حاقت بنا هزيمة العام 1967 لم ننتقد انفسنا نقداً موضوعياً ألقينا سبب الهزيمة على الخارج ونسينا «التخاذل» و«النكوص» على مستوى القيادات العسكرية. هزائمنا منذ العام 1947 وما بعده سببها أن «وحدة الهدف» لم تكن سائدة عربياً وحتى اليوم هي كذلك!.