جاسم عاصي

كل غائب له يومٌ ما يعود فيه، لكن ماذا لو عاد بلا جسد؟ لقد حضر الرفاق... كل الرفاق... ولم يتخلف منهم سوى من هاجر أو من سرقه في غفلةٍ ملكُ الغياب.

كبر الذي تربى على الانتظار والخيبات... كبُر الأمل... بعد أن رتقت أحلامه أكاذيب وأكاذيب وتدثر جرحه بأغطية الشوق والحنين، ها هو اليوم يحبل بالعذابات ويتفجر منه الأنين، جاء بعد طول غياب... جاء بالحقيقة التي لا تساورها الشكوك، ليهدم حلما تغنى بالأمل... لكن كيف جاء؟ هل تسمعون ما خلف هذا الصمت؟ لن تستطيعوا سماع ما ليس فيكم، فبعد عتبة الانتظار والترقب ستجدون محرقا لشوق مستدام بطول الأيام، وقلبا يراوح مثل ذئب جريح وقد استنفد كل حيل النجاة، فما يخرج من مدفن الأمس ليس هينا ولا قليلا، صور تتناسل بسرعة الاحتراق, وتصطف مع أصوات لتتحدى العدم.. هل يمكن أن نتحدى العدم ونوقف ما يبعث من الأجداث؟

سألها: هل هو ابنك يا حاجة؟

يظنون أنها لن تتعرف على كومة من بقاياه لُفّت بكيس أسود.. نسي الجميع معنى أن تكون أماً.. تلك التي حملته وهناً على وهن ولم ترض أن تفصله حتى بعد الغياب.. بقيت تعد بأنفاسه ليعيش, وينبض قلبها بنبض قلبين مسرعا لا يتوقف, ولم تقطع عنه حبل حنينها الذي ما يزال ممتدا من سرتها حتى آخر العمر.. تحتفظ بتلك الأيام التي يداولها الناس عن رجولته وكرمه وشهامته، ليكون ذلك الفتى الشهي الذي يسرق أفئدة النساء بلا مقدمات.. هي تعرف تضاريسه من أخمص قدمه حتى أشدها سرية.. تعرف عطر «ستار ووكر»، شريك أنفاسها الذي يتربع إلى هذا اليوم بين طيات ملابسه, منتظرا اللحظة التي يقفز فيها من مرقده مثل قط مشاكس ليمزق روحها بمخالب الذكريات, فيوزع الحنين على كل الأمكنة لينتهي على آخر وداع له.. كل شيء ما زال كما هو.. ينتظر بدء الاحتفال بعودته.. عود البخور لم ينطفئ بعد, وطاسة الماء ما زالت كما كانت، ممتلئة بالتهليل والتسبيح ودموع تفيض من شدة الفراق.

هنا تحتجزها الذكريات.. أشياء وأشياء... ويبقى الأمس متقداً لكنه بعيد كالأمل.. لهذا لم يتغير في غرفته شيء، مطفأة السجائر ممتلئة بأعقاب قديمة... سجائر «مارلبورو»، وأخرى ضاع اسمها في القدم.. سألها ذلك الضابط مرة أخرى: هل هذا ابنك يا حاجة؟

كان لغط الشهود يتكاثر بـ: لعله... وكأنه... وأظنه... وينسون أنها أمه، المالك الوحيد لفيض ذكرياته.. وهي من يستطيع سحق ظنونهم وتدمير ادعاءاتهم.. صحيح أنهم أحباؤه وأصدقاؤه الذين يمتلكون معه شيئاً من الذكريات، لكنهم لا يمتلكون أغلب ما لديها، كيف لا تعرفه؟ تكرر السؤال بصوت يشبه صرير باب صدئ، أفزع سرب سكونها وكسر صمتها حتى صرخت به بصوت ينذر بالوعيد: «اسمعك والله أسمعععك»... ثم انحنت على كيس بقاياه وخفت صوتها وكأنها تهمس له... «وأسمعه أكثر من سؤالك الذي يسد علي الطريق إليه، لقد سبقني وأخذ دوري وجعل عمري غروبا يتعكز بالانتظار»..

ثم راحت تشمّ ذلك الكيس المليء بالعظام... وحاولت فتحه لتبحث فيه بلا جدوى، عن فم أو جبين يتسع لتقبيلها، أخذت تلملم ذاكرتها التي فرقها المكان وترمم تكسرات الصور وهي تتقفز من ظلام الأمس على وجوه الحاضرين.. رقرقت عيناها بالدمع حين شعرت بفقدان الأمل في رجوعه, وبدأت بالنواح على طريقة المفجوعين في هذه البلاد، بعد أن رفعت بقاياه إلى صدرها ولامست بخدها المتعرج بالأسى نعومة ذكراه, ثم أغمضت عينيها وكأنها تتخيل حضوره مجسدا أمامها وأنشدت:

«دل=ّلو يا الولد يبني رجعت ما خاب ظني...

دلّلو يا الولد يبني وين بعدت وين بعدت عني»

وشهقت بآخر نفس لتكمل الغياب.