ناصر الريماوي

لبنانيان وسوري من مدينة «السلمية» وأنا، وذكريات «القبو» القديم الحاضرة في الذهن، كناقوس أزلي، رغم انطواء عقوده الزمنية الثلاثة، دفعة واحدة.

تحديداً، رحابة ذلك الممر الواصل بين غرفتيه الصغيرتين وحوض الأواني المتسخة.

النافذة العلوية المستطيلة في الغرفة الشتائية، والتي لا يُرى منها سوى فيض المساء الشحيح، ووقع أقدام العابرين المتسارعة.

«القبو» الذي لم يزل مدفونا حتى الآن في حرارة الأرض، مراوحا بين صخب «الكراج» الموحّد في حي «البرامكة» الدمشقي، وأشجار «التكية السليمانية» المجاورة.

الهواء الثقيل المتراكم على أرضيته المبلطة من عهد الفرنسيين، وفوق النضد الجماعي، وشراشف النوم الخفيفة فوق أسرّتنا الحديدية العتيقة.صوت «مارسيل خليفة» ورائحة سجائر «الفايسروي» و«الجيتان» وسحب الدخان العالقة في مسامات الحواشي وقماش الكنبة الوحيدة.

كلها لم تزل تهاجمني من وقت لآخر، بهبوب ذهني مفاجئ.

الركوة النحاسية الحاضرة الآن في ذاكرتي، وجفاف عوالق القهوة الراكدة في قعرها الضحل، وفقدانها التدريجي للمعتها النارية المطفأة مع الوقت.

أيضا قارورة الماء الزجاجية، الفارغة، والتي لا تُنسى، وهي تقبع بمظهرها الشفاف إلى جانب الفناجين الخزفية، المتسخة، قبل أن يستقر الذباب على أطرافها، في الحوض الرمادي.

لبنانيان وسوري من «السلمية»، وأنا، ومتحف المذهبيات الخالية من أيّ معنى طائفي، كل هذا نسيناه ونحن تستلقي معاً تحت سقف القبو الوحيد، كل ليلة، قبل أن نغفو عميقا فوق أسرّته الحديدية المتجاورة وفراش الكنبة.

المذهبية المفرغة من كتل الضباب الكئيبة، ونحن نحلق في فضائه العامر بصوت «فيروز» الصباحي وألحان «مارسيل خليفة» التقدميّة.

صوت «فيروز» وهو ينبعث بتلقائية الصباح من مذياعنا الصغير، المخفي تحت أغطية السرير، ونحن نصحوا على وقعه تباعاً.

«بوسترات» عديدة بذلك الصدى البصري الخالد وهي تطلّ علينا لأنطون سعادة، وعبد الناصر، بشمولية النظرات الوحدوية، المصوبة نحونا كل صباح.

صورة ثالثة مألوفة لجيفارا، تطالع النافذة المستطيلة في حياد شديد، ولا ترانا.

ألبوم جداري صغير، لصور متفرقة.. أخرى، بملامح إلياس عطا الله، سناء المحيدلي، ابتسام حرب، وغيرهم.

القبو الحنون، بغرفته الشتائية الواسعة، ودفء الجدار الملاصق لحانوت كيّ الملابس على البخار، وطلائع الجدل الصباحي المقتضب، بعد كل ليلة ماطرة.. حول أشياء كثيرة تهمنا، كصنع القهوة، وجلب الفطائر، وربما فظاعة السير المتمهل في الزحام وطين الشوارع.

حتى العتمة الخارجية وهي تهبط باكراً وتتسلل نحو فضائه الكوني، كانت لنا أكثر وهي تجمعنا، لتحملنا على امتداد أمسياته الطويلة، إلى حواف بعيدة ومحظورة في الأحاديث والسهر، وثرثرات عبثية لا تنتهي، دون إحساس أو تدارك فعلي منّا إزاء فداحة الوقت المسفوح أو حذر.

مقطوعات موسيقية متتالية، وهادئة، ترافقنا في احتدام الكلام وفترات الصمت المتقطعة، تواصل انبعاثها من ذلك المذياع الوحيد، الخفي، حتى نرى وجوهنا، نحن الأربعة، في مرآة الممر الضيق، فنصمت. وهو -بالمناسبة- ما تبقى لنا من ملامح حيّة.. هناك.

زوابع الحوارات المقننة من شأنها أن تثور، لكن دون تشنجات طائفية، في كل وقت.

ضحكنا المباغت وهو يختلط بصوت المطر، ويعلو في فضاء «القبو» المسالم، حتى بعد منتصف الليل بكثير.

فطائرنا الباردة منذ الظهيرة أو ما تبقى منها على النضد الجماعي.

نبرة الأحاديث الودودة في الكلام، كلها أشياء لم تزل باقية هناك وماثلة في الذهن، رغم فداحة الزمن المنسيّ وعقود رحلينا العابرة، عن ذلك المكان، وفراغ جدرانه الأزلي.. المؤلم.