الرأي - رصد

بين اللين والقسوة.. يرتكب الوالدان أخطاء تربوية جسيمة في ردة الفعل على خطأ الابن وبخاصة ذي الشخصية العنيدة. فكيف يؤدب الأب ابنه دون اللجوء للضرب؟

يُفرِّق الاستشاري التربوي والنفسي د. مصطفى أبو السعد بين التربية والعقاب، موضحا أن العقاب يدمر شخصية الطفل، ويحدث فجوة في العلاقة بين الوالدين والابن، ومشكلة الضرب ليست أنه يوجع، ولكن كونه يحطم كرامة الإنسان.

وأضاف أن الكثير من الآباء يضربون أبناءهم ليتخلصوا من ضغوطهم الشخصية، ولا يمكن الحديث عن العقاب كوسيلة تربوية.

وأوضح أن هناك مقولات شائعة تفيد بأن الآباء ضُربوا في صغرهم ولا توجد مشكلة إن ضربوا أبناءهم للتأديب، وهذا جهل، لأن هذا السلوك التربوي الخاطئ ينشر العنف بالمجتمع، ويتسبب في ارتكاب جرائم كرد فعل على الخلافات البسيطة، لأن الناس تربوا على مفاهيم خاطئة، وأصبحوا يعيشون وكأنهم في غابة.

وأكد أبو السعد أن هناك ما هو أشد إيلاما وإيذاءً من الضرب وهو الإهانة والسب، والابتزاز الوجداني، وتحميل الأبناء الضغوط والمشاكل النفسية للآباء.

وبيّن أن كل خطأ يقوم به الطفل هو سلوك طبيعي تقتضيه مرحلة النمو التي يمر بها الطفل، وأن الطفل الذي لا يسمع الكلام، هو نعمة من الله بينما الطفل "المطيع" قد يواجه مشاكل في المستقبل.

وفسر قوله بأن العناد هو أفضل سلوك يلجأ إليه الطفل ذو الشخصية القوية أمام تعنت أبويه، أما الأخطر من هذا أن يضطر الطفل إلى بعض السلوكيات السلبية مثل التأتأة، والتبول اللاإرادي، والكوابيس، وقلة النوم، وقلة الشهية.

وأكد أن الطفل العنيد ذو شخصية قوية في المجتمع ولا يمكن لأي أحد أن "يسوقه"، أما الطفل الذي يتم ترويضه بكل أشكال العقاب يصبح معقدا لينا وقابلا للانقياد في شبابه، وقد ينضم لأي فكر لأنه أصبح "مروضا" يسمع ويطيع.

وأوصى بأن يكون المربي أقرب إلى الطبيب وليس القاضي، وأقرب إلى المصلح وليس السجان.

وشارك الإعلامي والخبير التربوي د. جاسم المطوع مقطعا على صفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي حول أسباب معاناة الآباء في تربية أبنائهم، وأشار إلى أن هناك صفتين في الوالدين تجعل التربية مملة ومتعبة؛ وهما المثالية (مطالبة الأبناء بإتقان كل شيء بنسبة 100%)، والمركزية (عدم تفويض الأبناء لتنفيذ المهام).

وأوضح أن هناك ارتباطا شرطيا خاطئا بين التأديب والعصبية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ربى أبناءه ثوأحفاده بدون عصبية.

وبين بعض الحلول التي تساعد الأب على تأديب طفله بدون انفعال، وهي:

1- وجود قناعة لدى الوالدين أن العصبية لا تعالج المشكلات ولا تغير السلوك.

2- بحث الأب أو الأم عن علاج لتوتره ورد فعله إذا شعر بالغضب من ابنه (مثلا المشي حتى يهدأ).

3- علاج سلوك الطفل بالترهيب والترغيب دون استخدام العنف.

4- عدم التردد في اتخاذ القرار التأديبي "عادل وهادئ"؛ فإذا تم اتخاذ قرار عقابي يجب عدم الرجوع عنه، حتى لا يصبح الطفل شخصية مترددة.

5- لا ينبغي عقاب الابن دون شرح ما هو الخطأ؟ ولماذا يجب معاقبته؟

6- عدم التهديد بالحلف والكلمات القاسية، مثل: "والله لأطلع روحك".. فهل تحولت الأم لملك الموت؟

7- التحدث مع الطفل أثناء شرح السلوك الخاطئ بطريقة تمنحه الثقة في أنه سيتفهم الأمر ويكون بارا ومطيعا لأبويه وأنه يستفيد من أخطائه.

8- أن يكون المربي قدوة لابنه، فلا تنهى طفلك عن أمر وتفعله أنت .

9- العصبية المسموحة فقط هي العصبية "التمثيلية" حتى لا تتحول إلى ظلم وانتقام وتشفٍ، بمعنى أن تمثل أنك في حالة ضيق من سلوك الطفل حتى توضح له أن هذا الأمر خطير.

وفي مقال لإيمي مورن بالموقع المختص بالتربية verywellfamily أوضحت أن الضرب يعطي رسائل متناقضة للطفل وبخاصة على سلوكه العنيف، فيتساءل الطفل لماذا مسموح للأب أو الأم بضرب الابن، وغير مسموح للابن بضرب أحد إخوته؟

وأوضحت أن هناك طرقا عدة لتأديب الطفل دون ضربه مثل:

1- جعل الطفل يجلس بمفرده لفترة من الوقت يهدئ فيها من نفسه ويفكر في سلوكه، ثم السماح له بالجلوس مع أبويه عندما يهدأ.

2- الحرمان من بعض الامتيازات والأنشطة الممتعة لوقت محدد حتى يتعلم الطفل من أخطائه.

3- تقديم العقوبات المنطقية، مثلا: إذا رفض ابنك تناول العشاء، لا تمنحه وجبة خفيفة قبل النوم، فربط النتيجة بالسلوك يساعد الطفل على تعلم عواقب السلوك الخاطئ.

4- مكافأة السلوك الجيد والثناء على الطفل عندما يفعل السلوك المطلوب.

وتضيف د. لورا ماركوم في مقال لها بموقع psychologytoday أن الضرب لا يساعد الآباء على أن يكونوا مسؤولين ومنضبطين ذاتيا، والتعرض للعقاب يؤدي إلى تآكل العلاقة بين الوالدين والطفل، ويعلم كل الدروس الخاطئة. وأوصت المربي بالتعامل بحكمة مع أخطاء الابن، واتباع التالي:

1- إدارة المشاعر وعدم الاندفاع، وتذكر أنك مربٍ وقدوة.

2- بدلا من إلقاء المحاضرات على ابنك وجعله خصما في موقف الدفاع، حاول أن تستغل الموقف لإعادة التواصل البناء معه وتشرح له بحب مشاعرك تجاهه مع توضيح الموقف الخاطئ، وبمعنى آخر "تواصل قبل أن تصحح" Connect before you correct.

3- علم ابنك كيف يقوم بتصحيح أخطائه، فمثلا إن سكب الحليب يقوم بتنظيف المكان، وإن أساء لأخته عليه أن يجد طريقة يعوضها به عن فعله.