في العاشرة صباحا من يوم الخميس، الأول من آذار عام 1956، يقود جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال سيارته برفقة رئيس الديوان بهجت التلهوني في شوارع عمان متجها إلى مكتب رئيس الوزراء سمير الرفاعي آنذاك، وخلال الرحلة يخبر جلالته التلهوني ولأول مرة بما ينوي فعله وهنا يدون جلالته في مذكراته أنه أتبع افصاحه هذا بأنه قال:

"هذا أحد أكثر الأيام أهمية في حياتي لا أعرف كيف سينتهي، لكن المرء لا يعيش إلا مرة واحدة وبطريقة مشرفة".

على هذا النحو يمكننا تخيل صباحية ذلك اليوم الصعب على مملكتنا المهدد وجودها من الأساس؛ خصوصا في تلك المرحلة المعقدة من مسيرة الدولة، ولنتخيل معاً كيف كانت لتكون عليه أحوال الدولة لو تأخر قرار تعريب قيادة الجيش العربي لمنتصف الثمانينيات، كما كان يتمنى البريطانيون؟!

فافتراض تعريب قيادة الجيش في ثمانينيات القرن الماضي ليس تصوري الخاص، بل هو ما افترضته الخطة البريطانية المعروضة على جلالة الملك الحسين عام ٥٥ لمستقبل تعريب قيادة الجيش ويتم بمقتضاها منح الضباط الأردنيين في المستقبل مزيداً من الامتيازات، ولم يكن المستقبل المقصود هنا قريبا، فبريطانيا اعتقدت وقتئذ أن الجيش العربي سوف لن يستطيع الاعتماد على نفسه قبل ثلاثة عقود على أقل تقدير، حيث يمكن للجيش أن يتولى قيادته ضابط أردني عربي في العام 1985.

يبدو أن خيال القارئ هنا سيأخذه لتفحص الخط الزمني المار على الأردن بين 1956 و1985، لتقترح عليه بداهته معركة الكرامة في العام 68، وأحداث أيلول في العام 70، حدثان مفصليان في عمر الأردن، واجه فيهما تهديدا حقيقيا لوجوده، ومحق من يقول إن الأردن قد واجه العديد من الاختبارات القاسية على امتداد عهد الملك الحسين كله تقريبا، ولكن دعونا نعيد بناء السيناريو للأحداث المذكورة نفسها بجيش يقوده ضابط بريطاني!!

حرص الإنجليز إبّان قيادتهم للجيش على الحد من فاعليته بطريقتين رئيستين هما: عدم زيادة أعداد الجنود الأردنيين، وعدم تزويد الجيش بأسلحة حديثة ومتطورة، فكلوب باشا الضابط الإنجليزي المعين على رأس الجيش الأردني من قبل بريطانيا حينها، كان يحاول تقييد الجيش بمفاهيمه الخاصة، ولا سيما في دفاع الأردن ضد إسرائيل والذي كان من أهم مظاهر الخلاف بين الملك الحسين وكلوب، وكان جلالته يرى ضرورة أن تتضمن الاستراتيجية الدفاعية الأردنية الرد الفوري والسريع لردع العدو، في وقت كان الجنرال كلوب ينصح بالتزام جانب الحكمة والحذر، أضف إلى ذلك القيود التي كانت تضعها بريطانيا على تزويد الأردن بالسلاح والمعدات والذخيرة، فبهذا الجيش الضعيف أراد الإنجليز أن نواجه مصيرنا المحتوم في العامين 1968 و1970.

كيف كنا سنقف أمام الزحف باتجاه مرتفعات شرق الأردن؛ الهدف الرئيس من هجوم القوات الإسرائيلية الغاشم علينا صبيحة 21-آذار عام 68؟! وهل كان من الممكن للمشير حابس المجالي أن يكون قائدا للجيش فضلا عن نيل الأخير من المنظمات الفدائية المتمردة عام 70م؟!

في الختام يمكننا القول إنه وبعد عشرة أعوام من استقلال الدولة الأردنية سياسيا عام 46 وبحنكة الملك المؤسس الشهيد عبد الله الاول، جاءت شجاعة الحسين الباني لتحقق للأردن استقلاله التام من خلال استقلال إرادة الجيش، وفي الوقت الذي نحتفل فيه اليوم بذكرى تعريب قيادة الجيش العربي، علينا أن نعي أهمية هذا الإنجاز، وكيف أن محاولة دونالد ترمب الفاشلة الآن لجعل الأردن وطنا بديلا، كانت لتكون واقعا نعيشه منذ عقود!!